الفن في مواجهة الحرب والكراهية: كيف تصبح الموسيقى والغناء أدوات لإعادة بناء السلام؟

صحيفة الهدف

تقرير: يوسف الغوث

في لحظة سودانية مثقلة بالانقسام والتوتر، يعود السؤال حول دور الفنون بوصفها إحدى أدوات إعادة التوازن المجتمعي، لا من موقع الترف الثقافي، بل باعتبارها وسيلة فاعلة في ترميم ما تصدّع من النسيج الاجتماعي. وفي هذا السياق، يكشف استطلاع لآراء عدد من المبدعين عن تقاطع واضح في الرؤية تجاه قدرة الغناء والموسيقى والفنون على استعادة قيم السلام، ومواجهة خطاب الكراهية الذي تمدّد في الفضاء العام خلال سنوات الحرب.

الموسيقي يوسف الموصلي يضع المسألة في إطارها الجوهري، حين يشير إلى أن الفن يمتلك قدرة استثنائية على مخاطبة الوجدان مباشرة، وهو ما يجعله أداة محورية في نشر قيم السلام ومقاومة العنف. ويستحضر الموصلي تجربة الفنانين في فترات سابقة، موضحًا أنهم أدركوا مبكرًا هذا الدور، وسعوا إلى أن يكونوا صوتًا للمحبة والتعايش رغم تعقيدات الواقع، بما في ذلك النزوح والمعاناة التي فرضتها الحرب. ومن هذا المنطلق، يرى أن وظيفة الفن لا تقف عند حدود التعبير، بل تمتد لتوجيه المجتمع نحو العمل والبناء والتعليم، بدل الانزلاق إلى الصراع، معتبرًا أن رسالة الفنان في جوهرها هي ترسيخ قيمة الإعمار وتقديم الأمل بوصفه جسرًا للتواصل ونبذ الكراهية.

هذه الرؤية تتقاطع مع ما طرحه الفنان أبوبكر سيد أحمد، الذي ينظر إلى الفنون بوصفها مساحة جامعة بطبيعتها، تستند إلى قيم الجمال التي تحفّز الحياة والنماء، وتخاطب القلوب في اتجاه الفضيلة والخير. ويؤكد أن المبدعين، بحكم تكوينهم، لا يمكن أن يكونوا جزءًا من تأجيج الصراعات، بل هم دعاة وحدة، تقوم علاقتهم بالجمهور على المحبة، وهي القاعدة التي تمنحهم التأثير الحقيقي. ومن هنا، يربط بين وعي الفنان بدوره وبين قدرته على تحويل الفن إلى قوة فاعلة في إيقاف الحرب وتعزيز التماسك المجتمعي، في لحظة تتطلب مواقف واضحة لا حياد فيها تجاه قضايا الإنسان.

أما الفنان عوض مشاوي، فيذهب إلى توصيف أكثر تركيبًا، حين يصف الفنون بأنها “العملية التجميلية للحياة”، في إشارة إلى قدرتها على إعادة تشكيل الواقع القاسي بلغة أكثر إنسانية. ويؤكد أن الموسيقى، بوصفها لغة عالمية، تمتلك قدرة فريدة على تجاوز الفوارق، مستشهدًا بتجارب الغناء المشترك خارج السودان، حيث أسهمت في خلق انسجام بين مكونات مختلفة. غير أن هذا البعد الجمالي، في تقديره، لا ينفصل عن مسؤولية مضاعفة فرضها واقع الحرب، إذ بات مطلوبًا من الفنانين إنتاج أعمال تعزز قيم التسامح والسلام، وتقدّم خطابًا بديلًا في مواجهة الكراهية، خطابًا ينفتح على المستقبل بدل أن يُعيد إنتاج الانقسام.
في مجمل هذه الإفادات، يتشكل خيط ناظم يؤكد أن الفن، في السياق السوداني الراهن، لم يعد مجرد تعبير إبداعي، بل أداة مقاومة ناعمة في مواجهة التشظي، وقناة لإعادة بناء الوعي الجمعي على أسس أكثر إنسانية. وبينما تتعاظم التحديات، يبدو الرهان معقودًا على وعي المبدعين بقدرتهم على توظيف أدواتهم الجمالية في خدمة السلام، لا فقط عبر إدانة خطاب الكراهية، بل عبر إنتاج بدائل ثقافية قادرة على إعادة تعريف العلاقة بين الفرد والمجتمع، وعلى ترسيخ قيم التعايش بوصفها خيارًا وجوديًا لا يحتمل التأجيل.

#7_أبريل_1947 #البعث_الفكرة_لم_لن_تموت #البعث_79

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.