الغيمُ والنبعُ يكتبان أغنيةَ الأهمش نحو الخلود

صحيفة الهدف

د.أسامة تاج السر

في عقدِه الثالث رحل عنّا شاعرُ الشباب معتصم الأهمش، مخلِّفًا إرثًا أدبيًا مهمًا، تمثّل في دواوينه الثلاثة (كفّتان تشقان صدر السماء)، و(أسطورة العشاق)، و(تدور المرايا على النبع)، مشفوعةً بثلاث جوائز مهمة: شاعر الجامعة، وشاعر الجامعات السودانية، وشاعر أفرابيا.
وما بين ديوانه الأخير، وقصيدته ذائعة الصيت (قداسة الغيم)، محور هذا المقال، كتب الأهمش أنشودته نحو الخلود.
انهزم الشاعر السوداني الشاب معتصم الأهمش (1992-2023) تحت وطأة المرض، فلم يُكمل دراسته للهندسة في جامعة الخرطوم، وعلى الرغم من ذلك حقّق ثلاث جوائز هي: شاعر الجامعة 2015، وشاعر الجامعات السودانية 2017، وجائزة مهرجان الشباب الإفريقي العربي “أفرابيا”. كما كان أحد وجوه منتدى “نبضات دافئة” الذي اتخذ من دار خريجي جامعة الخرطوم مقرًا له. ومن أعماله “كفّتان تشقان صدر السماء”، و”أسطورة العشاق”، و”تدور المرايا على النبع”.. وفيما يلي قراءة في نصه “قداسة الغيم”، تلويحةُ محبّةٍ إلى روح الشاعر الشاب.
يحيل العنوان (قداسة الغيم) إلى الطهر والنقاء، فالقدوس من أسماء الله الحسنى، وتعني الطاهر المنزَّه، والقداسة: الانعزال عن الخطيئة، والغيم: السحاب. فالعنوان يحلق في الأفق، مع هالةٍ من تصوف.
وقفتُ خلف السحاب مستترًا
أصبُّ ماءَ القصيد كيف أرى
أخطُّ دربَ البروق في لغةٍ
تُقيلُ وقعَ الظلام ما عثرا
وكلما أثقل الحنين دمي
هبطتُ كالنيزك الذي استعرا
كثر حديث الشعراء عن إعادة تشكيلهم الحياة، فقد صوّروا العالم من زوايا نفسية بعيدة، تجعلهم مركز الكون، حين رأوا الحياة تتفلت من بين أيديهم، وتحيلهم هامشًا غامضًا ومربكًا، فوقوا يصورون الحياة وفق رؤيتهم ورؤاهم. فهذا التجاني يوسف بشير يصور الحياة، ويجعل من نفسه مركزًا لا هامشًا:
من لهذا الأنام يحميه مني؟
قلمي صارمي، وطرسي مجني!
هو فني إذا اكتهلت، وما زال
على ريق الحداثة فني!
إنها ثورة الحياة، فمن للكون
يحميه من قذائف رعن؟
إنها ثورة الشباب، فمن يدرأ
عن نفسه الغداة، ويغني؟
لم أجد كالشباب يبس مراعيه،
وما كالصبا أقر لعيني
يفرح الطين في يدي فألهو
جاهدًا أهدم الحياة وأبني
كم أشيد الحصى قصورًا، وكم
أكبر من شأنها وأقدر شأني
وطني في الصبا الدمى، والتماثيل،
ونفسي، ومن أحب، وخدني
فهو، وإن كان فقيرًا معدمًا، إلا أنه يرى نفسه أغنى الناس بفنه، قد جعل الحياة طينةً طيعةً بين يديه، يصورها كيف يشاء.
وهذا إدريس جماع، يصور الحياة كما يراها، من مرآة نفسه لا من مرايا الآخرين:
ماله أيقظ الشجون فقاست
وحشةَ الليل واستثار الخيالا
ماله في مواكب الليل يمشي
ويناجي أشباحه والظلالا
هيّنٌ تستخفه بسمة الطفل
قويٌّ يصارع الأجيالا
حاسر الرأس عند كل جمال
مستشفٌّ من كل شيء جمالا
ماجنٌ حطم القيود وصوفيٌّ
قضى العمر نشوةً وابتهالا
خلقت طينةُ الأسى فغشتها
نارُ وجدٍ فأصبحت صلصالا
ثم صاح القضاء كوني فكانت
طينةُ البؤس شاعرًا مثّالا
عند التجاني كانت النظرة لما هو أرضي، وهو ما يوازي الواقع الذي يريد الشاعر الهرب منه، والالتحام به في ذات الوقت. ألا ترى أن التجاني إذا أراد الهرب لهوّم بعيدًا كجماع والأهمش؟ لكنه يهرب من واقع حاضر إلى واقع كان موجودًا ومألوفًا، وهو الصورة التي اختزنتها الذاكرة من ألعاب الطفولة، بمعنى أن التجاني كان يتمنى أن لو استطاع أن يحقق في شبابه ما كان قادرًا على تحقيقه زمن الطفولة. ولذا فهو يعود بالزمن إلى الطفولة، إلى وقت أن كان زغبًا صغيرًا لم تكن له أجنحة تحمله على التحليق. ومع هذا الضعف، إلا أنه يجعل الأمر ثورة عارمة، يهدم فيها الواقع ليبني بدلًا عنه المدينة الفاضلة – كما يراها هو لا كما يراها أفلاطون – التي تجعله ذا قيمة فاعلة.
أما جماع، فيقابل بين حال الشاعر الحالم وواقع الحياة، فيهرب منه إليه مثل التجاني، ولكنه لم يثر ثورة التجاني، بل كان مشفقًا على الكون وكل ما فيه، فهو لا يفتأ يبحث عن الجمال في كل شيء، ويخرجه في الصورة التي يراه عليها، لا كرؤية الآخرين.
وإذا كان التجاني منكفئًا على الأرض، بينما وقف معتصم فوق السحاب، بينما مر جماع على العوالم الثلاثة، فإن نص الأهمش يتحدث عن قلق الشاعر، وهربه من الواقع إلى واقع موازٍ يصنعه بنفسه وفق رؤيته.
فالخلق عند التجاني ثورة، وعند جماع تحليق، وعند معتصم خروج عن كل قيد، فأفعاله (وقفت، أصب، أخط، هبطت) تشير إلى أنه في موقع المسيطر على الأحداث.
“ورحت،
كان الرصاص يتبعني
يسبقني للحلم كلما ظهرًا”
ينقلنا الأهمش من العالم الماورائي إلى السقوط، إلى عالم الجسد بعد الروح.
“وروح ليلى المرآة في بشري
دخلت فيها
فغبت
وانحسرا
فالحزن حاكته كفها لغدي
والدمع يهمي من عينها إبرا
بذرت فيها الأحلام مثقلة
وقلت هزي السماء جذع ذرى
ولتسكني
إن رحلت في زمن لا يُمعن الطرف نحو من عبرا
ما اهتز حرف في عمق طينتها
من كل غصن سيرتمي قمرا
وكلما ارتج في المدى أفق
تنزل الشعر ينبت الشعرا”
تعود لغة السماء إلى السطوع، ولم يمنعها السقوط.
“كم مر بالصخر
حين صدع في قساوة الصخر خافقًا عطرا
وإذ رأى العتم في الوجود سرى
أشاح لي النور حيث ليس يُرى
قداسة الغيم
خلفه ابتدأت طفولة الغيب
تنتشي خدرا
بنجمة ترسل البريق خطى
ترتل العمر في المدى سورا
حيث البدايات
لانفلات دمي
لرعشة النور
حين لاح قرى”
“ما قلت للريح أنت راحلتي
لا قلت للشمس أشرقي لأرى
توشحي الدرب
غبت خلفك
ما لامست عينيك
ما انتهت سفرا
كأنني والمدائن ارتحلت
تغوص في الترب
والفضا قبرا
ملائك بالغمام في ظلل
وكان فينا ملائك الفقرا
هرعت للأمس
كان أبعد من روحي البعيد البعيد
حين سرى”
وعدت،
ظلي القصيد
طار إلى مكامن السدر
يقطف الثمرا
إذ قيل ما قيل
قلت
صمت صدى
وأبلغ الصمت أن ترى الصور
لا تشرب الكأس
بل عها سكرا
ولتسكب الروح في الكؤوس قرى”
بهذه القصيدة كتب معتصم الأهمش خلوده بنفسه، وهو يحلق تحليقًا بعيدًا جدًا. وما من بحر مقيّد كالمنسرح في بحور الشعر كلها، ومع ذلك استطاع الأهمش أن يمد رجليه ما شاء.
معتصم الأهمش يغرّد وحيدًا من بين كل شعراء السودان في الألفية الثانية في كتابة القصيدة بكل أشكالها، وبمهارة فائقة: قصيدة العمود، والتفعيلة، والنثر، وهو مكثر ومجيد في كل ذلك. فمن يكتبون قصيدة النثر لم يبلغوا شأوه في العمود، ومن يكتبون العمود لم يبلغوا شأوه في النثر. وها هو يصير امتدادًا لرحيل النوابغ في سن صغيرة: التجاني يوسف بشير، معاوية محمد نور، الأمين على مدني. ولئن كان ثلاثتهم لم يبلغوا العقد الثالث من العمر، فإن الأهمش عاش عمرهم، وما تبقى منه كانت تتوكأ فيه عليه الأدواء، تأكل من نفسه وروحه، منسحبًا عن الناس، مستترًا وراء الغيوم، يصب ماء الشعر كيف يرى.

#7_أبريل_1947 #البعث_الفكرة_لم_لن_تموت #البعث_79

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.