الثقافة كخندق أخير: الفن السوداني من منصات الثورة إلى معارك الوعي والترميم

صحيفة الهدف

د.جمال الجاك

تظل الثقافة في جوهرها هي “المقاومة الناعمة” التي لا تكل، وفي السياق السوداني لم يكن الإبداع يوماً ترفاً ذهنياً، بل كان صرخة ميلاد في وجه القمع، وجداراً يستند إليه الوجدان الجمعي كلما عصفت به رياح التشرذم. إن الإرث الثوري الذي صاغه شعراء مثل محجوب شريف وحميد، وتغنّى به عمالقة مثل وردي ومحمد الأمين ومصطفى سيد أحمد، لم يكن مجرد ألحان عابرة، بل كان “دستوراً عاطفياً” وحّد الشارع حين فشلت السياسة في توحيده. ومن هذا المنطلق، يتبدّى الفن كمقاومة ناعمة قادرة على ما تعجز عنه الخطابات المباشرة؛ فعندما تتحول الكلمة إلى أغنية، تكتسب قدرة استثنائية على النفاذ إلى المناطق المحرّمة في الوعي الجمعي، وتغدو الأغنية الثورية حافظاً للذاكرة الوطنية، مانعةً نسيان تضحيات أكتوبر 1964 وانتفاضة مارس أبريل 1985، ومؤسسةً لوجدانٍ مشترك لا يتبدد بسهولة.
وفي زمن الحرب والتشظي، لا يقف دور الفن عند التوثيق، بل يتقدّم ليؤدي وظيفة ترميمية دقيقة، كأنه “غرزة جراحية” تلملم أطراف الهوية الوطنية الممزقة، حيث لا تعود العبارات مثل “حنبنيهو” مجرد شعارات، بل تتحول إلى مشروع نفسي لإعادة بناء الثقة في الذات الجماعية. وفي هذا السياق ذاته، يطرح الفن بديلاً جمالياً لقبح الرصاص، فيعيد الاعتبار للإنسان، ويحوّل الضحية من رقمٍ في إحصائيات الحرب إلى قصة تستحق أن تُروى، وقصيدة تستحق أن تُغنّى. هذا الامتداد الطبيعي لدور الفن يضع النخب الثقافية والإعلامية أمام اختبار أخلاقي حاسم، فالمثقف ليس صدىً للواقع، بل فاعل في تشكيله، ومسؤول عن تفكيك خطاب الكراهية الذي تسلل إلى اللغة اليومية، وعن تطهيرها من مفردات الإقصاء، والانحياز الصارم لقيم الإنسان بعيداً عن الاصطفافات الضيقة.
ومع تصاعد تأثير الحرب، تتعرض اللغة نفسها لعملية “إعادة تشكيل قسري”، حيث تتحول من وعاء للحكمة إلى أداة للإقصاء، وتُشحن مفرداتها بدلالات التخوين والعزل. هنا تتجلى خطورة اللحظة، إذ لا تقتل الحرب البشر فقط، بل تقتل الكلمات أيضاً عبر مسخ معانيها، فتتحول منصات التواصل إلى ساحات للتحريض بدل أن تكون فضاءات للحوار. في مواجهة ذلك، يستعيد الشعر والسرد وظيفتهما الأصلية، بإعادة الاعتبار للغة بوصفها مساحة للتراحم، واستحضار مفردات مثل “يا شعباً لهبك ثوريتك” لتذكير الناس بقوتهم حين يكونون معاً، لا حين ينقسمون ضد بعضهم. ومن هذا المنعطف، يصبح الانتقال من سرديات الانقسام إلى أفق المشاركة ضرورة ثقافية، تتطلب إنتاج خطاب جديد يعترف بالتنوع السوداني كعنصر قوة، لا كسبب للنزاع، ويؤسس لفكرة الوطن بوصفه مساحة عمل إبداعي مشترك، لا غنيمة لطرف دون آخر.
وفي هذا السياق الممتد، لا يمكن إغفال الأثر النفسي والاجتماعي والسياسي العميق للشعر الثوري، إذ يمنح الفرد شعوراً بالمؤازرة، ويخفف من حدة الانكسار حين يدرك أن ألمه جزء من وجع جماعي، كما تخلق الأغنية الثورية حالة من “العدوى الإيجابية” التي تذيب الفوارق الطبقية والقبلية في هتاف واحد، وتتحول إلى سلطة رقابية شعبية تطارد المستبد وتبقي جذوة الرفض مشتعلة. وقد تجسدت هذه الوظائف في تجارب شعرية بارزة، حيث ارتبطت قصائد محجوب شريف مثل “يا شعباً لهبك ثوريتك” و”حنبنيهو” مباشرة بالشارع وغنّاها محمد وردي ومحمد الأمين، بينما شكّل محمد المكي إبراهيم أحد أبرز أصوات ثورة أكتوبر عبر “أكتوبر الأخضر”، وبرز هاشم صديق في العمل الملحمي، فيما قدّم حميد تجربة شعبية ثورية عميقة عبر نصوص مثل “عم عبد الرحيم” و”نورا” التي حملها صوت مصطفى سيد أحمد ووردي إلى وجدان الناس، إلى جانب إسهامات صلاح أحمد إبراهيم الفكرية والشعرية في قضايا الحرية والنضال.
هذا التداخل بين الشعر والغناء منح الأغنية الثورية السودانية قوتها الاستثنائية، حيث شكّل فنانون مثل محمد وردي ومحمد الأمين ومصطفى سيد أحمد العمود الفقري لهذا الوعي الجمعي، وغدت أعمالهم جزءاً لا يتجزأ من ذاكرة الثورات، تتردد في الشوارع والجامعات، وتعيد إنتاج نفسها في كل لحظة تاريخية مشابهة. وهكذا، لا تبدو الثقافة والفنون في السودان مجرد سجلّ للماضي، بل ضرورة وجودية للمستقبل، حيث يظل الاندماج الفريد بين الشاعر والفنان والشارع هو الضمانة الوحيدة لعدم ضياع البوصلة الوطنية، فبينما يفرّق الرصاص الناس، تظل القصائد والألحان تجمعهم في وطنٍ حدادي مدادي، يتسع للجميع، ويحلم بالحرية والسلام والعدالة.

#7_أبريل_1947 #البعث_الفكرة_لم_لن_تموت #البعث_79

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.