وسط الرياح: نفي النفي.. تحويل الدفاع إلى اعتراف

صحيفة الهدف

أبو بكر الطيب

كثيراً ما تتكلم اللغة بما لا يُراد لها أن تقول؛ إن في عالم اللغة لا تُقاس قوة العبارة بما تقوله صراحة، ولكن بما تكشفه ضمناً، وفي عالم المنطق هناك قاعدة راسخة: “نفي النفي إثبات”.

لكن الأخطر من ذلك كله، هو عندما تنتقل هذه القاعدة من كتب النحو إلى واقع الاتحادات الرياضية، فتصبح البيانات الرسمية —دون أن تدري— شاهداً عليها لا لها، ودليل إدانة لا براءة. فالبيانات التي تُكتب على عجل، وتُشحن بكثافة النفي، لا تنفي دائماً وإنما قد تُثبت أكثر مما تُخفي.

أولاً: الاعتراف الذي جاء في ثوب النفي

عندما يقول البيان إن المستندات “مراسلات قديمة” وإن “الجزء الأكبر تم سداده”، فهو لم ينفِ أصل القضية، ولكنه أكدها واعترف بها. وهنا مكمن المفارقة؛ لم يكن السؤال: هل هناك مستحقات؟ ولكن: لماذا لم تُسدد كاملة؟ ولماذا تُرحّل؟ البيان —في محاولته نفي التهمة— وقع في أول درجات الإثبات:

  • أقر بوجود مستحقات.

  • أقر بتأخرها.

  • أقر بأن جزءاً منها لا يزال قائماً. وهذا —في ميزان المنطق— ليس دفاعاً، إنما هو إثبات كامل الدسم.

ثانياً: الـ 20% التي لا تُرى.. هي كل القضية

قد تبدو نسبة “20%” —التي أقر البيان ببقائها— رقماً صغيراً في الحسابات الإدارية، لكنها في ميزان الحقوق ليست مجرد نسبة، إنها مبدأ وحق واجب السداد؛ فالحقوق لا تُجزّأ:

  • لا يوجد شيء اسمه “سددنا أغلب الأمانة”.

  • ولا تُقاس العدالة بنسب مئوية. إن بقاء جزء من الحق يعني ببساطة أن الحق لم يُؤدَّ إلى أصحابه. وهنا يتحول نفي التقصير إلى إقرار به؛ لأن الاعتراف الجزئي هو في حقيقته إثبات كامل للمشكلة.

ثالثاً: بيان بلا توقيع.. هل هو موقف أم رد فعل؟

من أخطر ما يحيط بهذا البيان —بعيداً عن مضمونه— هو شكله. غياب التوقيع، الختم، والصفة الرسمية الصريحة، يفتح باباً مشروعاً للتساؤل: هل نحن أمام بيان صادر عن اتحاد معتبر أم من جهة تنوب عنه؟ أم أمام نص “منسوب” إليه لامتصاص ضغط اللحظة؟ في العمل المؤسسي، الشكل ليس تفصيلاً، ولكنه جزء من الشرعية، وعندما يغيب الشكل تضعف الحجة، ويصبح النفي أقرب إلى رد فعل غير محسوب بدقة منه إلى موقف مدروس بعناية.

رابعاً: الأرجنتين.. حيث تتكلم الأسئلة أكثر من الإجابات

محاولة ربط —أو نفي ربط— الاعتذار عن مواجهة منتخب بحجم الأرجنتين بالمستحقات، تكشف جانباً آخر من الإشكال. فالبيان ينفي، ولكن: لماذا طُرح الربط أصلاً؟ ولماذا احتاج النفي لكل هذا التفصيل؟ ولماذا جاءت التبريرات “الفنية” في سياق دفاعي لا تفسيري؟ التاريخ الرياضي يقول إن مثل هذه الفرص لا تُرفض بسهولة، إلا إذا كانت هناك معطيات داخلية غير مستقرة، وهنا أيضاً نفي العلاقة لا يغلق الباب، ولكنه يفتحه على مصراعيه.

خامساً: اللاعب بين الواجب والحق

اللاعب السوداني —كما نعلم— لم يتمرد، ولم يساوم، ولم يضع قميص الوطن في كفة والمال في كفة أخرى، لكنه —في المقابل— لم يتنازل عن حقه. وهنا يجب أن نُعيد تعريف المفاهيم:

  • المطالبة بالحقوق ليست تمرداً.

  • والصبر ليس تنازلاً.

  • والوطنية لا تعني الصمت على الظلم. إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول “الواجب الوطني” إلى غطاء لتأجيل الحقوق.

وقبل الختام: عندما يُدين النفي صاحبه

ما حدث في هذا البيان ليس مجرد رد، ولكنه نموذج حي لقاعدة منطقية قديمة: “نفي النفي.. إثبات”. فكلما حاول النص أن ينفي، أثبت وجود المشكلة، وأكد استمرارها، وكشف خللاً في التعامل معها. وهكذا، تحول البيان —دون قصد— من أداة دفاع إلى وثيقة إدانة بلغة منطقية هادئة.

وأهلك العرب قالوا: “الحق ما بِنستر بغطاه.. ولو طال عليه الزمن”، وقيل: “البيان إن كثر فيه النفي فضح فيه الخفي”.

من الأضداد التي يندر أن تتفق: الحماة والزوجة، عمر المرأة والحقيقة، والمرأة والسر.

والله المستعان

#ملف_الهدف_الرياضي #الكرة_السودانية #المنتخب_الوطني #صقور_الجديان #أزمة_المستحقات #العدالة_الرياضية #منطق_اللغة #بيانات_رسمية #كورة_سودانية

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.