يس محمد يس
“رغم العلوم اِتقدمت.. ياموت دواك ما عرفو طِبْ”
اليوم هو العشرين من شهر مارس ٢٠٢٦م، يصادف ذاك اليوم الذي رحل فيه شاعر الإنسانية والوطن والحرية والسلام والعدالة.
حميٍّد من قرية نوري إلى عطبرة والوطن كله: قراءة في السيرة والتجربة والمفردة والأثر
مدخل: نوري.. المهد والنشأة
لم يكن محمد الحسن حسن سالم المشهور بـ(حميٍّد) شاعرًا يقف على تخوم الوطن ليكتب عنه من مسافة آمنة، بل كان الوطن يتشكّل في دواخله، ويتخلّق في مفرداته، ويخرج إلى الناس أشعارًا. لقد تفتّح وعي حميٍّد بقرية نوري، لا بوصفها قريةً على ضفاف النيل فحسب، بل باعتبارها المكنوز اللغوي الذي انبثقت منه صورته الشعرية، والمنبع الأخلاقي الذي منه استقى يقينه وانحيازه.
في نوري، لم تكن الحياة تعقيدًا ولا التباسًا؛ بل كانت إيقاعًا متناغمًا مطمئنًا، يتردَّد بين النخيل والجروف والطمي والطرابيل وبيوت الطين التي تحفظ دفءَ القاطنين فيها كما تحفظ الأسرار. هناك، تشكّلت علاقة حميٍّد بقضايا الناس من خلال بساطة العيش الريفي، وتماسك العلاقات الإنسانية، حيث العدالة ليست شعارًا، بل ممارسة يومية، والتكافل ليس تنظيرًا، بل قوتًا يُقسم بين الجيران والمارة، والحنان ليس عابرًا، بل أصلًا من أصول البقاء.
لذلك لم تظهر القرية في شعر حميٍّد حنينًا لاحقًا أو ذكرى بعيدة يستدعيها الأسى، ولكنها جاءت واقعًا معاشًا، يؤسس نظرته إلى الأشياء، ويمنحه معيار الحكم عليها. ومن ثَمَّ خرجت مفردات الشاعر حميٍّد من تلك البيئة شفافةً، مباشرةً، مشبعةً بجرس الحياة الزراعية والطبيعية؛ مفردات تعرف التراب كما تعرف الكفُّ التي تحرثه. وكانت الصورة الشعرية عنده منسابةً، نابعة من المشاهدة اليومية، تصفُ وتؤنسِن أكثر مما تصرخ أو تحتج، غير أنّ هذه السكينة لم تكن براءةً ساذجةً، بل كانت تنطوي على حسٍّ إنساني عميق، وانحياز أخلاقي واضح للفقراء والبسطاء، مما أدى إلى بروز أشعاره الأولى ناضجةً ومتقدّمة على سِنِّه وتجربته.
حميٍّد وعطبرة: محطة الانطلاق
لقد شكّل انتقال حميٍّد إلى عطبرة للدراسة بالمرحلة الثانوية منعطفًا جذريًا في مسيرته الإنسانية والشعرية. فعطبرة لم تكن مدينةً عاديةً؛ فقد كانت مدينة السكك الحديدية، ومهد الحركة العمالية، ومختبر الوعي النقابي والثوري في السودان، وكانت مدينة تصنع الحديد، ويصقلها الحديد، فتختبر أبناءها بصلابة الحديد.
في هذا الفضاء الكثيف بالمعاني، واجه حميٍّد الغربة وكدَّ الدراسة، وتوزّع كيانه بين جسد يقيم في المدينة وروحٍ تشدّها القرية حبلًا سُرِّيًا لا ينقطع. ومن رحم المعاناة هذا وُلدت قصيدة (طعم الدروس)؛ وهي نصٌّ لا يختزل تجربة طالب ريفي متغرب عن مسقط رأسه فحسب، بل هو نصٌّ يعبّر عن صراع أعمق بين زمنين ومكانين، بين الطمأنينة الأولى والواقع الجديد غير المألوف.
ففي القصيدة، لا يؤدي القطار وظيفة نقل عابرة، بل يتحوّل إلى رمز للفراق والاغتراب، والزمن يمضي غير آبهٍ بارتجاف القلوب. أما (زينوبة) المذكورة في القصيدة فلا تستقر في معنى واحدٍ؛ فهي الأم والأخت والحبيبة والقرية والذاكرة والوطن في آن واحدٍ، صورة رمزية مُركّبة تختزن الحنين وتمنحه وجهًا إنسانيًا خالدًا.
في خضم هذه التجربة، برزت شخصية خالته نفيسة بت ود طه، لا بوصفها مأوى مؤقتًا، بل أُمًّا ثانيةً، وحضنًا يعوّض بعض ما يتركه الفراق من حنين. وحين غُنِّيت قصيدة (طعم الدروس) وبلغه عتاب خالته الرقيق، نظم ردّه عليها في قصيدة (يا خالة) اعترافًا شفيفًا بمعنى القرابة الروحية، وتأكيدًا أن الانتماء ليس رابطة دم فحسب، بل رابطة مودة ووفاء، وهنا ترتقي القصيدة من العاطفة الفردية إلى البيان الإنساني، وتغدو مرآةً لقيم الثقافة السودانية في رحابة الأسرة وصدق الانتماء.
حميٍّد ومحيي الدين اليمني: تلاقح المفردة واللحن
تلاقح واكتمل المسار الفني والوجداني عبر الشراكة الإبداعية مع الموسيقار محيي الدين اليمني، الذي لم يتعامل مع نصوص الشاعر حميٍّد بوصفها مفردات تحتاج إلى نغمةٍ لحنيةٍ فقط، بل بوصفها كائنات حيّة تبحث عن امتدادها الطبيعي في عالم الموسيقى، فكان اللحنُ عنده قراءة ثانيةً للنص الشعري، لا تعليقًا عليه.
ومن هنا وجدت أعمال حميٍّد الشعرية، مثل قصيدة (طعم الدروس)، و(يا خالة)، و(عبد ريدك) طرقها سريعًا إلى الوجدان الجمعي، إذ التحم النص باللحن التحام الروح بالجسد، وفي قصيدة (عَبد ريدك) التي عُرفت إذاعيًا باسم (وجيع ريدك)، لا يتجلّى الحبّ عاطفةً عابرةً فحسب، بل التزامًا أخلاقيًا راسخًا، ووجعًا نبيلًا، وصبرًا يشبه صبر الكادحين في صراعاتهم اليومية، فالحبُّ هنا ليس ترفًا، بل موقفًا؛ وليس هروبًا من الواقع، ولكنه تعميق لإنسانيته وحضوره.
حميٍّد وهيئة الموانئ البحرية بورتسودان
حين انتقل حميٍّد إلى بورتسودان ليلتحق بهيئة الموانئ البحرية، لم يكن انتقاله مجرد تحوّلٍ في موضع العمل، ولكنه كان عبورًا إلى أفقٍ جديد من التجربة والرؤية. فهناك، عند تخوم البحر الأحمر، حيث تتعانق السفن مع الأفق، وتتعالى أصوات العمال في صخب الأرصفة، انفتحت أمامه عوالم أخرى لقرض الشعر، فلم يعد البحر في شعره ماءً يمتدّ إلى ما لا نهاية، ولكنه صار كيانًا رمزيًا كثيف الدلالة؛ رمزًا للرحيل والانفتاح، للأمل الذي يلوّح من بعيد، وللغربة التي تثقل الانتظار.
ففي تلك البيئة المشبعة بالحركة والتبدُّل، تعمَّق حسُّه الرمزي، حيث نجده يقول حول كد العمال وعرقهم:
ما عدَّ صباح من ها المينا
كد الكُدّاح شايلا سفينة
الناس عوجات تحرس ترجا
ترجعبو سلاح و أنوار زينة
ويقول في قصيدة أخرى:
لا سراب الصحرا موية
ولا حجار سلّوم موائد
إنتي في الغابة اليصارع
جوفو للآهات تلكِّي
ياما دفّق غيم رجاهو
لكن الأيام كركّي
وهنا يلاحظ أن قصيدته قد مالت إلى مزيد من التكثيف والإيحاء، دون أن تتخلى عن عاميتها الشفيفة الجميلة المحببة إلى نفوس الناس.
الانتقال إلى الخرطوم والعمل برئاسة هيئة الموانئ البحرية
لاحقًا انتقل الشاعر الراحل حميٍّد إلى عاصمة البلاد الخرطوم للعمل في رئاسة الهيئة نفسها، فكان ذلك انتقالًا إلى مركز المشهد الإداري والثقافي معًا. ففي العاصمة اتسعت دائرة حضوره الأدبي، وصار صوته يتردد في الندوات والملتقيات والفعاليات الأدبية، خاصة في الجامعات السودانية، مما رسَّخ مكانته بين أبرز الأصوات الشعرية في البلاد وقتئذٍ.
غير أن الخرطوم، على سعتها وضجيجها، لم تنتزع من روحه انتماءه الأول؛ فقد ظل وفيًا لصوت الهامش، مستصحبًا عطبرة وبورتسودان في قصيدته بوصفهما جغرافيا روحية لا تنفصل عن وجدانه، ولا تغيب عن لغته وصوره الشعرية.
عودة إلى عطبرة: الوعي والانتماء
لم يعد حميٍّد إلى عطبرة بعد سنوات أعقبت إكمال دراسته الثانوية طالبًا متغربًا عن أهله، لكنه عاد شاعرًا مكتمل التجربة، وصوتًا شعبيًا حاضرًا في الوسط العام، فإذا كانت المدينة قد صدمته أول الأمر، فإنها في عودته هذه قد احتضنته باعتباره أحد أبنائها، فاتسعت مداركه الشعرية، وازدادت كثافةً وتوترًا، ودخلت مفردات جديدة تعبّر عن طبيعة المكان: الحديد، النار، الورش، العرق، الهتاف، العمال، ومن ثَمَّ تحوّلت الصورة من سكون الوصف إلى دينامية الصدام، ومن المشهد الريفي الوادع الهادي إلى مشهد مدنيٍّ متحرك، تعصف به الأسئلة الطبقية وتوق الثورة، وقد يتجلى ذلك في قصيدة (عطبرة الطيبة)، حيث يقدّم فيها تحيةً للمدينة التي صاغت وعيه، ويصدح بأن جذوة الثورة لم ولن تخب، وإن مدينة عطبرة ليست مكانًا عابرًا، بل مدينة نابضة في التاريخ السوداني، حيث يقول في عهد حكومة الإنقاذ مثمنًا دور عطبرة في النضال:
أتبرا الطيبة يا منجم الثورات
كيفك بعد غَيْبة
وغربة ووطئ جمرات
رِجّالتك الهيبة
نسوانك الحارات
قالن لي قولة تسُر
تنفع زمان الضُّر
كل البيوت أم دُر
والمهدي حي ما مات
ففي نهاية مطلع هذه القصيدة: “والمهدي حيّ ما مات”، لا يستدعي حميٍّد الماضي استدعاءً زخرفيًا، ولكنه يربط بين التاريخ والمقاومة، ويؤكد استمرارية الفعل الشعبي في مواجهة قهر واستبداد الحكومات.
الرمزية في أشعار حميٍّد
تميّز شعر حميٍّد بقدرة لافتة جدًا على توظيف الرمز الشعبي المستمد من البيئة السودانية، فكانت مفرداته تنبت من تربة المكان وتتشرب روحه، حيث تتردد في قصائده شخصيات مألوفة تمثل الإنسان البسيط: المزارع المنهمك في حقله، والعامل الذي يكدّ في صمت، والأم التي تختزن الصبر، والعاشق الذي يطارد حلمه في فضاءٍ ضيق، بجانب الأرقام (الأعداد) التي تستفز القارئ أو المستمع لشعره للبحث عن دلالتها.
وقد امتزج في نصوصه الخاص بالعام، حتى غدت الحكاية الفردية مرآةً لقضية وطن، وتحول الصوت الشخصي إلى صدى جماعي. أما لغته العامية فظلت مشحونةً بالشاعرية، تنسج صورًا مركبةً تتجاوز ظاهرها إلى طبقات أعمق من المعنى.
من خلال استخدام الرمز كان حميٍّد يقول ما يتعذَّر التصريح به، خاصة في أزمنة التضييق ومصادرة حرية التعبير (قصيدة نادوس مثالًا)؛ وندعو القارئ للتمعن في هذه الأبيات:
يا خور عمر سيلك
كسّر ديار أهلي
طفّرني ريح ليلك
قبّال طيور جهلي
علفت غُناي خيلك
وأورثتني الصهلي
وين الغُبُش ديلك؟
وصّوني بالمَهلي
قالولي شِدْ حيلك
زي قمرة في السَّهلي
هنا تبدو القصيدة عند الشاعر حميٍّد كأنها حكاية بسيطة في ظاهرها، غير أنها تخفي موقفًا واضحًا من السلطة والواقع الاجتماعي، وتبطِّن رؤيةً ناقدةً تنحاز إلى الإنسان وكرامته، وندلل على ذلك بنذر يسير آخر ورد في قصيدة شِعَبْ اليقان حيث يقول حميٍّد:
أنا القَبيتْ لِويبي الإلفة..
ألَقِّمْ في جِدَيْ مَحْياكْ
وأنا العَبيتْ مَخالِيَّ ريد..
وقُتْلَك يا الحَبيب هَاكْ
وأنا الصَّبيتْ مِطيرَة شوق..
رَويتكَ دَمي هَمي ألْقَاكْ
ويقول كذلك في قصيدة أخرى:
كان ضوء الرتاين صانْ
ضهر جرفًا قِشيشُو شحيحْ
وكانت فاطني بالا بعيد
مع نُقارة في الدارة
تدوِّر دومي تِنْقَلَّب
وَسُطْ كانْديقَة هَدَّاره
تَهَوِّمْ فاطني في الجايات
وبين الموجة والسَّارَه
رِهابْ في العَتْمَةْ تِنْمَارَى
حميٍّد وقيمة الإيثار
تتباين نظرة الناس إلى الدنيا بتباين ما وقر في قلوبهم من قيم، وما استقر في أرواحهم من معانٍ. فالدنيا عند قومٍ سلطانٌ وجاهٌ وخراج، وعند آخرين عطاءٌ وبذلٌ وإيثار.
يُروى أن الخليفة العباسي هارون الرشيد رأى سحابةً تمضي في السماء، فقال لها: “أمطري حيث شئتِ، فسيأتيني خراجك”. وهي عبارة مأثورة تجسد إحساسه باتساع ملكه ونفوذ سلطانه؛ إذ كان يرى أن ما تهبه السماء من خير، أينما نزل، عائدٌ إلى خزائنه وسلطانه. إنها نظرة ترتبط بامتداد الدولة وقوة الحكم، وتعكس مفهومًا للدنيا بوصفها موردًا يُجبى، ومتاعًا يُمتلك.
غير أن للدنيا في وجدان الشاعر الإنسان الراحل محمد الحسن سالم (حميٍّد)، رحمه الله، معنىً آخر، يتجاوز الامتلاك إلى البذل، ويتخطى الأخذ إلى العطاء. ففي قصائده تتجلى قيم القناعة والإيثار والزهد في أبهى صورهم.
حيث يقول حميٍّد:
السحاب إن جاني هامي (مدودي)
أنهمو أول يسقي طينك
يا عَرَق من بين مسامي
ما مَرق غير شان يعينك
تجده يعيد توجيه السحاب، فلا يستأثر بمطره لسقي أرضه، بل يدعوه أن يسقي أرض الآخرين قبل أرضه، وحتى عرقه الذي يخرج من بين مسامه، لا يخرجه إلا عونًا لغيره. تأمل في جمال تكرار النفي: “ما مَرَق غير شان يعينك”؛ فهو حصرٌ للعطاء، وقصرٌ للجهد على خدمة الآخر.
وفي موضعٍ آخر يقول:
يا ما كم بيرًا حفرتو
ما حصل قُتْ يوم دا بيري
زيي زي غيم بى مطرتو
ما فرز ضل من هجيري
كم من بئرٍ حفرها، ولم ينسبها إلى نفسه. يشبه نفسه بالغيم؛ يمطر حيث يشاء الله، ولا يميز بين ظلٍ وهجير. عطاؤه عام، لا يعرف الاحتكار، ولا يتقيد بحدود المنفعة الخاصة. إنه “شغل ميري وروكة للكل”، كما عبّر، أي أن جهده مشاعٌ للناس جميعًا.
ويقول كذلك:
طين جروفي المني روَّح
وشالو هدام الدميري
ما بكاهو قليبي نوَّح
ما هو يوم بطلع جزيري
حتى أرض جروفه التي هدمها النيل، وذهبت إلى غيره، لم يأسف عليها؛ لأنها، في نظره، لن تعود إليه يومًا جزيرةً خاصةً به، ولكنها ستظل موردًا ينتفع به الآخرون، ولا ينتظر منها خراجًا ولا ريعًا.
هنا تتجلى المفارقة بين الرؤيتين:
رؤية ترى في المطر خراجًا عائدًا إلى السلطان، ورؤية ترى في المطر حياةً تُهدى للآخرين.
فالدنيا عند حميٍّد سقطُ متاع؛ زائلة لا تستحق أن يُنازع عليها، ولا أن تُختزل الحياة في جمعها. لذلك ظل طوال مسيرته الشعرية وعمره القصير يغرس في الأجيال قيم العطاء والإيثار والزهد، ويشهد الناس أن أقواله كان يُترجمها أفعالًا، لذلك لم يكن شعره ترفًا لغويًا، بل سلوكًا معاشًا.
لقد حوّل الشاعر حميٍّد رصيده الدنيوي الفاني إلى رصيدٍ أخروي، في بنوكٍ لا تقبل أرصدة المال، وإنما تقبل شيكات البرّ والإنفاق مما نحب، تجسيدًا لقوله تعالى (لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبون)، وتلك منزلة لا ينالها إلا من اصطفاهم الله لحب الخير، وحبّب الخير إليهم، ويسّر لهم سبل فعله؛ وهي منزلة لا يلقاها إلا ذو حظ عظيم.
هكذا أحسب أن شاعر الوطن والحرية والسلام والعدالة، كان من الزاهدين في الدنيا، فهي عنده سقطُ متاع.
المفردة وتأثيرها: الهوية والانحياز
من خلال هذا المسار، تتجلّى مفردة حميٍّد بوصفها مفردة هوية لا أداة تعبير فحسب، فقد اختار العامية السودانية، بلهجتها الشايقية، عن وعي تام، لا هروبًا من الفصحى، بل انحيازًا للغة الناس الكادحين، لأنها الأقدر على حمل تجاربهم وأحلامهم، بلهجة محلية في ظاهرها، غير أنها مشحونة بدلالات عميقة، تقوم على شفاهية واعية، وإيقاع داخلي قريب من الغناء، وتكرار وظيفي يخدم المعنى ويكثّفه، مؤكدًا رؤية البروفيسور علي المك، رحمه الله، حول قوة اللهجة في التعبير عن مكنونات الأنفس، حيث يقول البروفيسور علي المك: “ويظلمون الشعر العامي أولئك الذين يقولون عنه إنه لا يسمو ولا يتسامى للتعبير عما في النفس من خبايا وشجون، ولعل ذلك قد جعل العامية محصورة فيما يسمى بشعر الغناء على الأقل، منذ منتصف العقد الثاني لهذا القرن، وقبع ذلك الشعر الصادر بتلك اللغة في الإطار الذي حددته له دكتاتورية الكلمة الفصيحة، تلك التي تمثل المتعلمين. وعلى قلة أولئك فإن سطوتهم كانت تكمن في علو أصواتهم، وأكثرهم كان مقلدًا تجد في ردائه العصر الأموي والعباسي، وسوادهم قنع بنماذج عصر الانحطاط الأدبي وما بارحها وما تمرد عليها”. انتهى الاقتباس.
بذلك جاءت مفردات الشاعر حميٍّد معبّرة عن الواقع، منحازة أخلاقيًا؛ لا تجمّل القبح الاجتماعي أبدًا، ولا تهادن الظلم أيًا كان مصدره وجبروت أهله، بل كانت تكشفه وتسمّيه باسمه دون مثقال ذرة من خشية أو خوف من لومة لائم، لذلك قد تبدو مفرداته أحيانًا خشنة، لكنها خشونة الصدق لا فظاظة الادعاء. أما رموزه الشعرية، فهي مستمدّة من الحياة اليومية والذاكرة الشعبية: فالقرية هي رمز الطهر والعدل الفطري، والأم وطن صغير وحنان غير مشروط، والقطار فراق وزمن لا ينتظر، والحديد والنار صلابة المدينة وصراعها، والحبيبة كيان يتّسع للمرأة والقرية والوطن والحلم، والعرق كرامة الكدح، والثورة امتداد للقيم القروية في فضاء الوطن الكبير. إن هذه الرموز لم تُستخدم في أشعار حميٍّد لتعقيد المعنى أو إبهامه، بل لربط الخاص بالعام، وتحويل التجربة الفردية إلى وعي جمعي، ومنح القصيدة بعدها المحلي والإنساني.
لم تكن رحلة حميٍّد من عطبرة إلى بورتسودان ثم إلى الخرطوم انتقالًا وظيفيًا فحسب، بل كانت مسارًا شعريًا متدرجًا في الرؤية والوعي. ففي عطبرة تفتّح وعيه الطبقي وتكوّنت نبرته المقاومة للظلم، وفي بورتسودان اتسع أفقه على البحر وتعاظمت رمزيته، أما الخرطوم فقد منحت صوته مدى أرحب ورسّخت حضوره الوطني. وظل في كل أطوار رحلته شاعرًا للناس، يكتب بلسانهم، ويصوغ من تفاصيل حياتهم اليومية شعرًا نابضًا بالحلم والكرامة، يضيء العتمة ويستبقي الأمل.
خاتمة: حميٍّد والوطن والسلام
هكذا تجلّى حميٍّد شاعرًا تشكّل في نوري، ونضج في عطبرة، ثم انفتح صوته على السودان كلّه، شاعرًا للكادحين، وللمظاليم، وللحنين النبيل، وللعدالة الاجتماعية، داعيًا للسلام، قارضًا للشعر باللهجة الشايقية في أنقى تجلياتها، فجاء شعره قابلًا للترديد والغناء، لأنه لم يُكتب من برج عالٍ، بل من حياة الناس، ومن عرقهم، ومن شوقهم إلى غدٍ أعدل وأجمل، فظل صوته حيًا، لأنه لم يكن صدى لزمن مضى، بل كان نبضًا مستمرًا في جسد الوطن الجريح بسبب جور بعض أبنائه العاقين مشعلي الحروب، وفي ذلك يقول حميٍّد:
ﺩﺭﺏ ﻣﻦ ﺩﻡ ﻣﺎ بيودّي
ﺣﺮِﺏ سُبَّة ﺣﺮﺏ ﺣﺮﺍﻡ
ﺗﺸﻴﻞ ﻭﺗﺸﻴﻞ ﻣﺎ بِتدّي
وﻋُﻘُﺐ ﺁﺧﺮتا ﺇﻧﻬﺰﺍﻡ
ﺑﻄﺎﻧﺔ ﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻥ ﻗﺪﻳﻤِﺔ
ﻭ ﺑﻌﺪ ﺩه ﻣﻨﻮ ﺍﻟﻌﺮﺷﻮ ﺩﺍﻡ!؟
ﺇﺫﺍ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻣﺎ ﻟﻮ ﻗﻴﻤِﺔ
ليش ﺧﻠَّﻔُﻮ ﺳﺎﻡ ﻭ ﺣﺎﻡ؟
لقد أفنى حميٍّد حياته حاملًا الوطن في جوانحه، ذاك الوطن الذي أحبه حتى الثمالة والذي قال فيه:
“وطني يا فردة جناحي التاني وكت الناس تطير لى عالما، وااا وجعة الزول اليجيك وما يلقى فيك غير الهجير وناسًا تواتي مُسالِمَة
كل البشاشات القبيل يلقاها ميتي مسمما
والجاتا جاتا من الأرض ما جاتا من تالا السما
ما أعتى غبنك يا ولد وأعدل قضيتك وأعظما
لا ترجِّع السيف الجفير من غير تجيب تار البلد وريح العوارض تهزما”.
لقد لخص حميٍّد حبه للوطن في قوله:
يا الله وين في الدنيا زي..وطني البموت وبخلي حي
هكذا عاش حميٍّد محبًا للوطن وترابه ونصيرًا لأهله، يحن لعماله وزراعه وكل الكادحين:
ﺑﻨﻐﻨّﻲ لي ﻋﺘّﺎﻝ
ﺩﺍﺧﻞ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﻴﻨﺎ
ﻳﺮﻓﻊ ﺑﺪﻝ ﺷﻮّﺍﻝ
ﻛﻔّﻮ ﻭﻳﺤﻴّﻴﻨﺎ
ﻣﺎﻫﻮ ﺍﻟﻮﻧﺶ ﺷﻐّﺎﻝ
ﺻِﻨﻌﺔ ﺍﻳﺎﺩﻳﻨﺎ
ﻳﺎﺩﺭﺑﻨﺎ ﺍﻟﻮﺻّﺎﻝ
ﺍﺻﺒﺤﻨﺎ ﻭﺍﻣﺴﻴﻨﺎ
ﺑﻲ ﺭﻭﻋﺔ ﺍﻟﻌُﻤّﺎﻝ
ﺯُﺭّﺍﻉ ﺑﻮﺍﺩﻳﻨﺎ
مخرج ومواساة:
وينو الزمان يهدي الأمان.. من غير وداع راح محتجب
ليه يا حميٍّد راحل دون وداع.. ما قُتَّ من دنياك تِعِبْ
“ولاَّ” القدر جبرك تسيب.. ناسًا ليها ياما كُتْ تحِبْ
في الحسرة والأسى والهموم.. والعَبْرة والدمع البَكِبْ
غشاشة.. يا دار الزوال.. كل النعيم الفيك كِضِبْ
كل ما تجودي الناس بخير.. يلقوه.. شرِّك مِتْقلِبْ
يا دنيا ليه بتشيلي حميٍّد.. يا دنيا حار جرح القلب
ما هسّ كان بيناتنا نور.. واليوم دريبو عليّ صِعِبْ
ما بيرحم الموت يا أخي زول.. دائمًا.. مسلَّط للسلب
اتّام عيال.. خرّاب ديار.. بكّاي عيونًا تنتحب
هو القدر.. هو الأجل.. هو المسطَّر متكتّب
رغم العلوم اتقدمت.. يا موت دواك ما عرفو طب
ذكراك مقدسة في قليب.. أرضعتو حنية القلب
ذكراك رسمتها في الخيال.. بين النجوم في ليل ضِهِبْ
إلهي حميٍّد عندك غريب.. اغفر له كل زلة وذنب
وارسل سحاب الرحمة يوت.. فوق قبره يتزاحم يكِبْ
وآنسه بحورًا حسان.. لا تتوصف.. لا بتتحسب
وأقبل دعائي قول لي حميٍّد.. في الجنة لا شِقَا لا تِعِبْ
“نص من مرثية مقتبس بتصرف”
رحم الله الشاعر حميٍّد الإنسان شاعر الوطن والحرية والعدالة والسلام رحمة واسعة.
لقد حلفَ الزمانُ أن يأتي بمثله، حنثتْ يمينُك يا زمان فكفِّر.

Leave a Reply