الشباب العربي كقوة كامنة: نحو إعادة توظيف رأس المال البشري في المشروع القومي

صحيفة الهدف

أ‌. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة

لم يحدث في تاريخ الأمة العربية أن وقف الشباب على مفترق طرق  بهذا الحجم من التعقيد. ففي زمن تتسارع فيه التحولات العالمية، وتتغوّل فيه مشاريع الهيمنة، وتتفكك فيه الدول، يُطرح سؤال مصيري: أين الشباب العربي من هذا المشهد؟ هل هم ضحايا صامتون في انتظار قدر لا يختارونه، أم فاعلون قادرون على إعادة تشكيل معادلة القوة في المنطقة؟

الإجابة عن هذا السؤال ليست مجرد رهان أخلاقي، بل هي ضرورة وجودية. فالشباب العربي ليسوا (فئة عمرية) عابرة، وليسوا (مستقبل الأمة العربية) بالمعنى المجازي، بل هم حاضر الأمة الذي يقرر مصيرها اليوم قبل غد. نسبة الشباب (15-29 عاماً) في الوطن العربي تتراوح بين 20% و30% من إجمالي السكان، وهي من أعلى النسب في العالم. هذا يعني أن الأمة العربية هي، ديموغرافياً، أمة شابة بامتياز. لكن الشباب لا يصنعون التاريخ بمجرد وجودهم، بل بقدرتهم على التنظيم والوعي والفعل. وبين هذين الخيارين، يتحدد مصير الأمة ذاتها، لا مصير جيلها فقط. وتشير تقارير الأمم المتحدة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن المنطقة العربية تضم واحدة من أعلى نسب (الانتفاخ الشبابي) عالمياً، وهو ما يجعلها أمام فرصة ديموغرافية قد تتحول إلى عبء إذا لم تُستثمر ضمن سياسات تنموية واضحة.

هذا المقال محاولة لفهم الدور الذي يمكن أن يلعبه الشباب العربي في المشروع الوطني والقومي، وكيف يمكن توظيف طاقاتهم ضمن الأطر التحررية، ليس كأدوات تنفيذية، بل كفاعلين أساسيين في صناعة القرار وصياغة المستقبل.

1. الشباب العربي: جذور تاريخية في صناعة الحضارة: لم يكن حضور الشباب العربي في لحظة الريادة الحديثة وليد صدفة، بل هو امتداد لدور تاريخي عميق جسدته الحضارة العربية الإسلامية في أوج ازدهارها. فحين نقرأ سيرة النهضة العلمية في بغداد ودمشق وقرطبة، نجد أن أعظم الإنجازات كانت على أيدي شباب لم يجاوزوا الثلاثين. الخوارزمي، الذي أسس علم الجبر، كان في ريعان شبابه حين وضع مؤلفاته الخالدة. ابن سينا، الذي أدهش العالم بقانون الطب، وقد برزت إسهاماتهم العلمية في سن مبكرة نسبياً مقارنة بسياقهم التاريخي، حين بدأ مسيرته الطبية. ابن الهيثم، واضع أسس المنهج العلمي الحديث، كان في شبابه حين أنجز أعظم اكتشافاته البصرية. وفتح الأندلس قاده شاب هو طارق بن زياد، وعمر بن الخطاب ولّى معاذ بن جبل اليمن وهو في الثلاثين، وفتح الشام قاده خالد بن الوليد في ريعان شبابه.

هذه الظاهرة لم تكن فردية، بل كانت تعبيراً عن ثقافة مجتمعية تؤمن بأن الشباب ليسوا (مستقبل الأمة) بالمعنى المجازي، بل هم قوتها الحاضرة. كان التعليم مفتوحاً للجميع، والمناصب تُمنح للكفاءة لا للسنوات، والابتكار يُشجع ويموّل. الثقافة العربية الإسلامية في عصور ازدهارها كانت ثقافة شبابية بامتياز: تؤمن بالتجديد، وتحتفي بالطموح، وتفتح المجال للمبادرين.

لكن التراجع الحضاري الذي أصاب الأمة العربية في القرون اللاحقة لم يكن مجرد تراجع في القوة العسكرية أو الاقتصادية، بل كان تراجعاً في الثقة بالشباب. تحولت المجتمعات العربية إلى ثقافة تقديس الأقدمية، وتهميش الطاقات الشابة، وتحويل الشباب إلى (مستقبل مؤجل) بدلاً من (حاضر فاعل). هذا التحول الثقافي كان جزءاً من حالة الانغلاق والتقليد التي أصابت الفكر العربي، ودفعت الأمة إلى فقدان قدرتها على التجديد والابتكار.

وهكذا، فإن الدعوة اليوم إلى إعادة الشباب إلى موقع الريادة ليست مجرد استجابة لواقع ديموغرافي (تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن نسبة الشباب في الدول العربية تُعد من الأعلى عالمياً)، بل هي استعادة لجوهر الحضارة العربية في أزهى عصورها. فكما أن النهضة العربية في القرن التاسع عشر بدأت بفتح المجال للمفكرين الشباب، فإن النهضة القادمة لن تتحقق إلا باستعادة ثقتنا في شبابنا، وتمكينهم من حمل المشروع القومي الذي طال انتظاره.

2. الشباب العربي بين الإرث والتحولات الراهنة:

أ‌. جيل الثورات وجيل الإحباط: شهد العقدان الماضيان تحولات دراماتيكية في علاقة الشباب العربي بالسياسة. فمع ثورات 2011، برز الشباب كقوة دافعة للتغيير، ينظمون عبر وسائل التواصل، ويقودون الاعتصامات، ويرفعون شعارات الكرامة والحرية. لكن هذه الثورات، التي انطلقت بوعي شبابي متقد، اصطدمت بجدار صلب: غياب الأطر التنظيمية القادرة على حماية المكاسب، وتنوع المشاريع المتصارعة التي استولت على الشارع بعد أن هدأت الأمواج الأولى.

في تونس، كان الشباب هم من أشعل شرارة الثورة، لكنهم سرعان ما وجدوا أنفسهم مهمشين في المراحل الانتقالية. في مصر، تحولت ثورة الشباب إلى صراع بين قوى سياسية عجز الشباب عن التأثير في مساره. في سوريا، دفعت المأساة بجيل كامل إلى الهجرة أو الاستشهاد أو الانخراط في صراعات لا تمثل تطلعاته. في السودان، قاد الشباب انتفاضة ديسمبر 2018، لكن مسار التحول الديمقراطي تعثر لاحقاً.

هذا المشهد المتناقض خلق حالة من الإحباط لدى جيل كامل، شعر أن طاقاته استنزفت دون أن تتحقق أهدافه. لكن الإحباط، كما يقول الفيلسوف الألماني إرنست بلوخ، يمكن أن يكون (ألم الوعي) الذي يدفع إلى البحث عن بدائل أكثر جدوى. ويمكن وصف هذه الحالة بـ(الفجوة بين الحشد والتنظيم). ويمكن توصيف هذه المرحلة بما يسميه بعض الباحثين (فجوة الحشد والتنظيم)، حيث نجح الشباب في تعبئة الشارع، لكنهم فشلوا في تحويل هذه التعبئة إلى مؤسسات سياسية مستدامة.

ب‌. الهوية المتشظية: بين العولمة والخصوصية: يعيش الشباب العربي اليوم في فضاء هوياتي معقد. فمن جهة، يتعرضون لتيار العولمة الذي يسعى إلى صياغة أنماط حياة واستهلاك موحدة، تذيب الخصوصيات الثقافية. ومن جهة أخرى، يواجهون دعوات للانكفاء على هويات فرعية (طائفية، عرقية، جهوية) تقدم نفسها كبديل عن الهوية الوطنية الجامعة. هذا التشظي الهوياتي يضع الشباب في موقع صعب. فكيف يمكن أن يكونوا مواطنين صالحين في وطنهم، وعرباً منتمين لأمتهم، وإنسانياً منفتحين على العالم، دون أن يذوبوا في أحد هذه الأطر على حساب الآخر؟ الإجابة تكمن في وعي مركب: أن الهوية الوطنية الجامعة ليست نقيضاً للانفتاح، بل هي شرطه. فالإنسان الذي يعرف من يكون، ويفتخر بانتمائه، هو الأقدر على التفاعل مع الآخرين دون خوف أو تبعية.

3. مسؤوليات الشباب في المشروع الوطني والقومي:

أ‌. مسؤولية الوعي: استعادة التاريخ والمعرفة: أخطر ما يواجه الأمة العربية اليوم هو فقدان الذاكرة التاريخية وتفكيك الوعي المنظّم. أجيال كاملة نشأت على مناهج تعليمية جردت التاريخ من روحه، وجعلت من الماضي عبئاً لا إلهاماً. مسؤولية الشباب الأولى هي استعادة المعرفة. ليس المعرفة الأكاديمية الباردة، بل المعرفة التي تجعل الإنسان قادراً على قراءة الحاضر في ضوء الماضي، واستشراف المستقبل بوعي تاريخي. هذا يتطلب:

– العودة إلى النصوص المؤسسة: قراءة فكر الرواد (عفلق، الحصري، زريق) بوعي نقدي، وفهم أن الإرث الفكري ليس كتاباً مقدساً، بل مادة للحوار والاجتهاد.

– التعرف على تجارب الأمم الأخرى: كيف نجحت الصين في استثمار شبابها؟ كيف أعادت كوريا الجنوبية بناء هويتها بعد عقود من الاستعمار والانقسام؟

– فهم طبيعة الصراع المعاصر: ليس صراعاً عسكرياً فقط، بل صراعاً على المعنى، والوعي، والهوية.

ب‌. مسؤولية التنظيم: من الفرد الثائر إلى القوة المنظمة: أحد أعظم دروس العقدين الماضيين هو أن الفرد الثائر، مهما بلغت شجاعته، لا يستطيع وحده تغيير التاريخ. الثورات التي قادها شباب بلا تنظيم، وانطلقت بشعارات عاطفية دون برامج، انتهت إلى إما هزيمة أو اختطاف. لذلك، فإن التنظيم هو المهمة الكبرى للشباب اليوم. التنظيم لا يعني الانخراط في أحزاب تقليدية جامدة، بل يعني:

– بناء شبكات عمل: تجمع الشباب الناشطين في مجالات متعددة (ثقافية، مهنية، اجتماعية) حول قضايا مشتركة.

– تطوير هياكل مرنة: تستجيب لتحديات العصر، وتوازن بين المركزية التي تضمن الوحدة، واللامركزية التي تتيح الاجتهاد.

– صناعة قيادات شابة: عبر التدريب والتربية والتجربة، لا عبر التوريث أو المحسوبية.

ت‌. مسؤولية الإبداع: من استهلاك الثقافة إلى إنتاجها: تشير دراسات إعلامية إلى أن نسبة كبيرة من الشباب العربي تعتمد على المحتوى الرقمي العالمي، بينما يظل إنتاجه الثقافي محدوداً في تأثيره. الإبداع ليس ترفاً، بل هو سلاح في معركة الوعي. فمن يملك السردية يملك العقول. مسؤولية الشباب هنا:

– إنتاج محتوى عربي رقمي جاذب: أفلام، مسلسلات، ألعاب، تطبيقات، منصات تعليمية، تنافس المحتوى الغربي بجودة ومضمون عربي أصيل.

– إحياء اللغة العربية كلغة فكر وعلم، لا كلغة تراث فقط. الشباب هم القادرون على جعل العربية لغة عصرية، تتحدث عن الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا كما تحدثت عن الشعر والفلسفة.

– توثيق الذاكرة بوسائل حديثة: أفلام وثائقية، بودكاست، منصات رقمية تحفظ تجارب الأمة وتنقلها للأجيال.

ث‌. الشباب كساحة للصراع الرقمي: لم يعد الصراع على الشباب يقتصر على المجال السياسي أو التعليمي، بل انتقل إلى الفضاء الرقمي، حيث أصبحت الخوارزميات ومنصات التواصل أدوات لإعادة تشكيل الوعي الجمعي. فالشباب العربي اليوم لا يُستهدف فقط بالقمع أو التهميش، بل بإعادة صياغة اهتماماته وتطلعاته بما يخدم أنماط الهيمنة الجديدة.

4. كيف توظف الأطر القومية والتحررية طاقات الشباب؟: لا يكفي أن يتحمل الشباب المسؤولية وحدهم. فالمؤسسات والأطر القومية (أحزاب، منظمات، مراكز فكرية) مطالبة بإعادة صياغة علاقتها مع الشباب، وجعلهم جزءاً من صناعة القرار، لا مجرد أدوات تنفيذية.

أ‌. نقد الأطر التقليدية: من الحزب الأبوي إلى الحزب الشريك: تعاني (بعض) الأحزاب القومية العربية من فجوة جيلية عميقة. قياداتها التاريخية تقدمت في العمر، وآليات عملها تعود لعقود مضت، ولغتها خطابية بعيدة عن هموم الشباب اليومية. هذه الفجوة تجعل الشباب ينفرون من العمل الحزبي، أو ينخرطون بشكل شكلي دون تأثير حقيقي. ما المطلوب؟

– تجديد القيادات: فتح الباب لشباب في مواقع القيادة، ليس شكلياً بل حقيقياً، مع احترام التجارب التاريخية دون تقديسها.

– تحديث أدوات العمل: الانتقال من الاجتماعات المغلقة إلى الفضاءات الرقمية، ومن البيانات المنشورة إلى منصات تفاعلية.

– ربط الخطاب القومي بهموم الشباب: البطالة، التعليم، الهجرة، العزلة الاجتماعية، قضايا الهوية في زمن العولمة.

ب‌. مدارس الكوادر: من التنظير إلى الممارسة: لا يمكن بناء حركة شبابية دون تربية حزبية متجددة. مدارس الإعداد الحزبي التقليدية، التي كانت تقدم محاضرات عن تاريخ الحركة القومية، لم تعد كافية. الشباب اليوم يحتاج إلى:

– تدريب عملي: في الإعلام، القيادة، إدارة المشاريع، التفاوض، التحليل السياسي.

– تعليم نقدي: ليس تلقيناً للخطاب، بل تفكيكه ونقده وإعادة بنائه بوعي.

– دمج الرقمي: منصات تعليمية تفاعلية، محتوى رقمي جاذب، مجتمعات تعلم افتراضية.

ت‌. مساحات المشاركة الحقيقية: من التعبئة إلى التأثير: شباب اليوم لا يريدون أن يكونوا أدوات تعبئة تُستدعى في المناسبات فقط. يريدون أن يكونوا شركاء في صناعة القرار. هذا يتطلب:

– تمثيل حقيقي للشباب في الهياكل القيادية على جميع المستويات (محلية، قطرية، قومية).

– مساحات للاجتهاد داخل الأطر الحزبية، حيث يمكن للشباب تجربة أفكارهم وتحمل نتائجها.

– ربط العمل الحزبي بقضايا الشباب: من خلال مبادرات في التعليم، التشغيل، الإسكان، تتناسب مع احتياجاتهم اليومية.

– يمكن ترجمة هذه الرؤية عملياً من خلال إنشاء منصات شبابية قومية رقمية، تربط بين الكفاءات العربية في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد والإعلام، وتعمل على تطوير مشاريع عابرة للحدود. يمثل الشباب العربي أحد أكبر أشكال رأس المال البشري غير المستغل في العالم، حيث ترتفع معدلات البطالة بينهم إلى مستويات تفوق المعدلات العالمية، خاصة بين خريجي الجامعات. وهذا يعني أن الأزمة ليست فقط في نقص الفرص، بل في اختلال العلاقة بين التعليم وسوق العمل.

5. نحو رؤية جديدة: الشباب كحامل المشروع القومي: المشروع القومي العربي، الذي واجه تحديات كبرى في العقود الأخيرة، لا يمكن أن يعود إلى الحياة دون شباب يؤمنون به. لكن هذا المشروع نفسه يحتاج إلى تجديد:

أ‌. قومية شبابية: بين الروح والمؤسسة: القومية التي تستهوي الشباب اليوم ليست قومية الشعارات الجوفاء، ولا قومية التمجيد الأعمى للماضي. إنها قومية:

– قائمة على المواطنة لا على العصبية.

– جامعة للتنوع لا نافية له.

– تؤمن بالديمقراطية كشرط للوحدة، لا كعائق عنها.

– تفتح على العالم دون تبعية.

ب‌. المشروع القومي كإجابة على أسئلة الشباب: شباب اليوم يسألون أسئلة وجودية: لماذا أبقى في بلدي إذا لم أجد عملاً؟ لماذا أهاجر إذا كنت أريد خدمة وطني؟ لماذا أنخرط في العمل السياسي إذا كنت لا أرى نتائج؟ لماذا أتحدث العربية إذا كانت لغة العلم والاقتصاد غيرها؟ المشروع القومي، إذا أراد أن يكون جاذباً، يجب أن يقدم إجابات عملية على هذه الأسئلة. لا يمكنه أن يكتفي بالخطاب عن (رسالة الأمة) دون أن يقدم فرصاً حقيقية للشباب في وطنهم.

ت‌. شباب بلا حدود: الأمة كفضاء مفتوح: في زمن العولمة، أصبح الشباب أكثر حركة من أي وقت مضى. هذه الحركة يمكن أن تكون تهديداً (هجرة العقول) أو فرصة (شبكات عابرة للحدود). المطلوب تحويلها إلى فرصة:

– ربط الشباب العربي عبر برامج تبادل، منصات رقمية، مشاريع مشتركة.

– خلق فرص عمل عابرة للحدود في الفضاء العربي، بدلاً من الهجرة إلى الغرب.

– بناء وعي قومي لا يعتمد على الجغرافيا فقط، بل على الانتماء الطوعي والمشاركة الفاعلة.

خاتمة: في النهاية، تبقى الحقيقة الأوضح: الشباب ليسوا (مستقبل الأمة) بالمعنى الذي يؤجل دورهم إلى وقت لاحق. الشباب هم حاضر الأمة، وهم قوتها الفاعلة اليوم. كل يوم يمضي دون استثمار هذه القوة هو يوم نخسر فيه معركة من معارك البقاء. لم يعد الشباب فقط طليعة للتغيير، بل أصبح أيضاً ساحة للاستهداف. فوسائل التواصل، والخوارزميات الرقمية، ومنصات الترفيه، تحولت إلى أدوات لإعادة تشكيل وعي الشباب بما يخدم أنماط الهيمنة الجديدة. لا يمكن الحديث عن دور الشباب دون ربطه بالاقتصاد، فالبطالة ليست مجرد أزمة معيشية، بل هي آلية لإفراغ الطاقة الاجتماعية، حيث يمثل الشباب العربي أحد أكبر أشكال رأس المال غير المستغل في العالم. المطلوب اليوم ليس استجداء عطف الشباب للانخراط في مشاريع قائمة، بل إعادة صياغة هذه المشاريع لتصبح جديرة بهم. والمطلوب من الشباب ألا ينتظروا، بل أن يكونوا هم من يعيدون الصياغة. فالشباب العربي اليوم مطالب بأن يتحول من كلمة إلى فعل، من أمل منتظر إلى قوة فاعلة، من ضحية للظروف إلى صانع للظروف. وهذا هو جوهر المشروع القومي: أن نكون فاعلين في تاريخنا، لا موضوعاً لتاريخ الآخرين. فهل نستطيع؟

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في غياب الطاقات، بل في غياب الإطار الذي يحول هذه الطاقات إلى قوة تاريخية. فالشباب العربي اليوم يشبه طاقة هائلة غير مؤطرة: قادرة على البناء كما هي قادرة على الانفجار. وهنا تتحدد مسؤولية المشروع القومي، لا بوصفه خطاباً، بل بوصفه أداة تنظيم وتحويل.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.