من الحواسم إلى الفراغ الاستراتيجي: لماذا أصبح المشروع القومي ضرورة؟- في الذكرى الثالثة والعشرين لغزو العراق (2003)

صحيفة الهدف

أ‌. طارق عبد اللطيف ابوعكرمة

في التاريخ لحظات لا تُقاس بوقائعها العسكرية فقط، بل بما تكشفه من بنية الصراع الكامن في العالم. و19 مارس 2003 لم يكن مجرد بداية حرب على دولة، بل كان لحظة انكشاف شامل: انكشاف طبيعة النظام الدولي، وانكشاف هشاشة النظام العربي، وانكشاف الفجوة العميقة بين ما تمتلكه الأمة من مقومات، وما تعيشه من عجز تاريخي عن تحويل هذه المقومات إلى قوة فاعلة.

لم يكن ذلك اليوم حدثًا عابرًا في سياق العلاقات الدولية، بل لحظة اختبار قاسية لبنية النظام العربي ذاته، حيث تبيّن أن الخلل لم يكن فقط في موازين القوة، بل في غياب مشروع جامع قادر على تحويل الإمكانات إلى فعل تاريخي.

ما سُمّي بـ(معركة الحواسم)، لم يكن توصيفًا عابرًا لواقعة عسكرية، بل كان، في جوهره، إدراكًا لطبيعة لحظة فاصلة: لحظة تُحسم فيها ليس فقط معركة على الأرض، بل معركة على معنى الاستقلال ذاته. فالح.روب الكبرى لا تُخاض فقط لإسقاط أنظمة، بل لإعادة تعريف المجال السياسي برمّته؛ أي تحديد من يملك القرار، ومن يرسم حدود الممكن والممنوع في الجغرافيا المستهدفة.

لقد جاء غزو العراق في سياق تحوّل عالمي أعقب نهاية الح.رب الباردة، حيث سعت القوة المهيمنة إلى إعادة تشكيل العالم وفق منطق أحادي، يُعيد توزيع السيادة، ويحوّل الدول من وحدات مستقلة إلى فضاءات مفتوحة للتدخل. وفي هذا السياق، لم يكن العراق هدفًا لذاته، بل بوصفه نقطة ارتكاز في قلب المجال العربي، ومحورًا لإعادة ترتيب المنطقة بأكملها. إلى جانب أبعادها السياسية، تركت الحواسم أثرًا نفسيًا عميقًا في الوعي العربي، حيث عززت شعور العجز الجماعي، وكرّست صورة الأمة بوصفها موضوعًا للفعل لا فاعلًا فيه. وهذا البعد النفسي لا يقل خطورة عن الأبعاد السياسية، لأنه يؤثر في القدرة على الفعل المستقبلي.

تشير تقديرات دراسات متعددة، من بينها مشروع (تكاليف الحرب)، إلى أن عدد الضحايا المباشرين وغير المباشرين للح.رب في العراق منذ 2003 بلغ مئات الآلاف، في ظل تباين كبير في التقديرات تبعًا للمنهجية المعتمدة.

1. دلالات الحواسم: ست قراءات في انكشاف الهشاشة وولادة الضرورة:

الدلالة الأولى: استهداف الفكرة قبل الدولة: إن استهداف الدولة هنا لم يكن استهدافًا لمؤسسة، بل استهدافًا لفكرة السيادة ذاتها، أي لحق المجتمع في تنظيم ذاته خارج إرادة الخارج. أخطر ما في تلك الح.رب أنها لم تستهدف كيانًا سياسيًا فقط، بل استهدفت فكرة الدولة العربية المستقلة. فالدولة التي تحاول أن تبني قرارها خارج شروط الهيمنة، وتتمسك بقدر من السيادة، تصبح – في منطق القوة – حالة شاذة ينبغي تفكيكها أو إعادة ضبطها.

ومن هنا، فإن ما جرى لم يكن مجرد إسقاط نظام، بل كان تفكيكًا لنموذج: نموذج الدولة التي يمكن أن تقول (لا)، خارج السياق الدولي المرسوم لها. وهذا ما يفسر أن ما تلا الغزو لم يكن بناءً لدولة بديلة، بل إدخال العراق في حالة سيولة مزمنة، حيث تتنازع الفضاء قوى متعددة، ويتراجع مركز الدولة لصالح شبكات النفوذ.

بالتالي فإن احتلال  العراق عام 2003 كان حدثاً مفصلياً غيّر مجرى تاريخ المنطقة، حيث أن الهدف الأميركي لم يكن فقط إسقاط نظام، بل تفكيك الدولة العراقية عبر فرض دستور يؤطّر الخراب بصورة تصعّب استعادة لحمة الوطن في المستقبل.

الدلالة الثانية: الانتقال من الصراع الخارجي إلى التفكيك الداخلي: قبل 2003، كان الصراع في الوعي العربي يُقدَّم بوصفه صراعًا مع الخارج: مع الاستعمار أو مع المشروع الص.هيوني. لكن ما بعد الحواسم شهد تحولًا عميقًا: جرى نقل مركز الصراع إلى الداخل، حيث أصبحت المجتمعات نفسها ساحة للاق.تتال، والطوائف والهويات الجزئية أدوات لإعادة تشكيل السلطة.

وهذا التحول لم يكن عفويًا، بل كان جزءًا من استراتيجية أوسع: فحين يصعب إخضاع مجتمع من الخارج، يُعاد تشكيله من الداخل عبر تفكيك وحدته، وإعادة تعريف انتماءاته، بحيث يفقد قدرته على إنتاج مشروع جامع. وهنا تتحول الح.رب من حدث عسكري إلى حالة مستمرة من الاستنزاف البنيوي.

يشير تقرير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات إلى أن الغزو روج (لمعادلات التفتيت الطائفي والإثني)، وجعل من العراق نموذجاً لتفكيك الدولة الوطنية، وتحويلها إلى ساحة للصراعات الداخلية التي تخدم مصالح القوى الخارجية.

الدلالة الثالثة: الفراغ الاستراتيجي بوصفه شرطًا للهيمنة: ما كشفته معركة الحواسم، بوضوح قاسٍ، هو أن غياب المشروع العربي لم يعد مجرد مشكلة فكرية، بل أصبح عاملًا ماديًا يُنتج الفراغ الذي تملؤه القوى الأخرى. فالفراغ الاستراتيجي لا يبقى فراغًا؛ بل هو دعوة مفتوحة للتدخل.

وحين تغيب الإرادة الجماعية، ويتفكك الإطار القومي، تتحول الجغرافيا العربية إلى مجال حيوي مفتوح، تتقاطع فيه المشاريع الدولية والإقليمية، كلٌ يسعى إلى تثبيت موطئ قدم، أو توسيع دائرة نفوذه. وهكذا، تصبح المنطقة مسرحًا لصراعات لا تُدار لمصلحة أهلها، بل على حسابهم.

فإن ما حدث كان نتيجة (قرار أميركي – بريطاني خارج الإرادة والشرعية الدولية)، وأن الاحتلال مهد الطريق أمام إيران للتوغل العميق في كل سلطات الدولة تمهيداً لتحقيق مشروعها التوسعي. هذا يؤكد أن الفراغ الذي خلفه انهيار الدولة لم يبقَ فارغاً، بل ملأته مشاريع إقليمية ودولية متنافسة.

الدلالة الرابعة: مأزق التغيير المفروض من الخارج: كشفت تجربة العراق حدود فكرة (إعادة بناء الدول) عبر التدخل الخارجي. فالديمقراطية، بوصفها بنية سياسية وثقافية، لا تُفرض بالقوة، بل تنمو داخل المجتمع. وعندما تُفرض من الخارج، فإنها تتحول إلى هياكل شكلية، سرعان ما تفرغ من مضمونها، أو تُستخدم كغطاء لإعادة إنتاج الهيمنة بأشكال جديدة. ومن هنا، فإن ما قُدِّم بوصفه مشروعًا للتحرير، انتهى إلى إعادة إنتاج التبعية في صورة أكثر تعقيدًا.

الدلالة الخامسة: تآكل مفهوم السيادة: ما بعد 2003 لم يكن مجرد مرحلة سياسية جديدة، بل لحظة أعادت تعريف السيادة نفسها. فلم تعد السيادة تعني السيطرة الكاملة للدولة على إقليمها، بل أصبحت مشروطة بقبولها بقواعد النظام الدولي المهيمن. وهكذا، لم يعد التهديد موجهاً فقط إلى الدول الضعيفة، بل إلى فكرة الاستقلال ذاتها، التي أصبحت قابلة لإعادة التعريف وفق موازين القوة العالمية.

الدلالة السادسة: تحوّل الح.رب إلى بنية دائمة: لم تعد الح.رب حدثًا عسكريًا محدودًا بزمن، بل تحولت إلى حالة بنيوية مستمرة. فالصراع لم يعد يُدار فقط عبر الجيوش، بل عبر الاقتصاد، والإعلام، والعقوبات، وإعادة تشكيل الوعي الجمعي. وهذا التحول يعني أن الهزيمة لم تعد تُقاس بخسارة معركة، بل بفقدان القدرة على إعادة إنتاج الذات.

2. المعنى الأعمق: الحواسم كحدث لم ينتهِ: الخطأ الأكبر هو التعامل مع الاحتلال للعراق في 2003 بوصفه حدثًا ماضيًا. في الحقيقة، معركة الحواسم لم تنتهِ؛ لقد تغيّرت أشكالها فقط. فآليات الهيمنة لم تعد تعتمد دائمًا على الغزو المباشر، بل باتت تستخدم أدوات أكثر تعقيدًا: العقوبات، التفكيك الاقتصادي، إدارة النزاعات، وإعادة تشكيل البنى السياسية من الداخل. وهذا يعني أن الصراع لم يعد لحظة، بل أصبح حالة مستمرة. حالة تُدار فيها المنطقة بوصفها فضاءً مفتوحًا لإعادة التشكيل، وفق مصالح القوى المهيمنة. لم يكن الفراغ الذي خلفه انهيار الدولة الوطنية العراقية فراغاً محايداً، بل كان ساحة مفتوحة تبارت فيها مشاريع متعددة. حيث أن إيران اتبعت (الخطط في التوغل العميق بكل سلطات الدولة تمهيدا لتحقيق مشروعها التوسعي. هذا التحول من صراع مع الخارج إلى تفكيك داخلي استغلته القوى الإقليمية لتعزيز نفوذها على حساب الدولة الوطنية. فبدلاً من أن يتحرر العراق، تحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، ودفع الشعب العراقي الثمن مضاعفاً: ثمناً للاحتلال، وثمناً للهيمنة الجديدة.

3. الربط بالمشروع القومي: من الوعي إلى الضرورة: إذا كانت معركة الحواسم قد كشفت حدود الدولة القطرية حين تكون معزولة، فإنها في الوقت ذاته أعادت طرح السؤال القومي بصيغة أكثر حدة: كيف يمكن لأمة بهذا الحجم، وبهذه الموارد، أن تظل عاجزة عن حماية ذاتها؟ إن المشروع العربي التحرري لم يعد مجرد خيار أيديولوجي، بل أصبح ضرورة تاريخية تفرضها طبيعة الصراع ذاته. فالمشكلة لم تكن يومًا في نقص الموارد، بل في غياب الإطار الذي يوحدها، ويحوّلها إلى قوة. هذا المشروع، في معناه العميق، ليس شعار وحدة مجرد، بل هو إعادة بناء للقدرة:

أ‌. قدرة على تعريف المصالح بشكل مستقل،

ب‌. وقدرة على حماية المجال الحيوي،

ت‌. وقدرة على تحويل الجغرافيا من ساحة صراع إلى فضاء قوة.

قد أشار الاستاذ عزمي بشارة الي إن (انكشاف زيف فكرة التضامن العربي عند الأنظمة العربية) ـ التي (تتآمر مع الولايات المتحدة مباشرة، وتتواطأ حتى مع الكيان الصهيوني إذا لزم الأمر، ضد دولة عربية شقيقة)، في مقابل رفض الشعب العربي للاحتلال وحساسيته تجاه القضية الفلسطينية. إن ما كشفت عنه الحواسم ليس فقط حدود الدولة القطرية، بل حدود التفكير السياسي العربي الذي ظل أسير التجزئة، عاجزًا عن إنتاج إطار استراتيجي جامع. ومن هنا، فإن المشروع القومي لم يعد خيارًا نظريًا، بل أصبح شرطًا لإعادة التوازن في بيئة دولية لا تعترف إلا بالتكتلات الكبرى.

خاتمة: (ما بعد الذكرى): إن استعادة ذكرى معركة الحواسم لا ينبغي أن تكون استعادة للحدث بقدر ما هي استعادة للمعنى. فالأمم لا تتعلم من تاريخها إذا تعاملت معه بوصفه ماضيًا مغلقًا، بل حين تدرك أنه لا يزال يعمل في حاضرها. لقد كشفت تلك اللحظة أن القوة التي لا تملك مشروعًا تصبح موضوعًا لمشاريع الآخرين، وأن الجغرافيا التي لا يحرسها وعي تتحول إلى مجال مفتوح للهيمنة. ومن هنا، فإن السؤال الذي تطرحه الذكرى اليوم ليس: ماذا حدث في 2003؟ بل: ماذا تعلمنا؟ لأن المعركة، في جوهرها، لم تكن يومًا معركة حدود، بل معركة على من يملك حق أن يكون.

حيث تكشف دراسة (السلام الأميركي) أن الهدف الأميركي كان (إعادة تشكيل المنطقة بما يخدم المصالح الأمريكية ويفرض الوجود الصهيوني عليها. فاحتلال العراق لم يكن منفصلاً عن المشروع الصهيوني، بل كان مقدمة لإضعاف أي قوة عربية قادرة على موازنة الهيمنة الصهيونية. المفارقة أن بعض القوى الإقليمية استخدمت فلسطين كذريعة لتوسيع نفوذها، بينما كانت في الواقع تساهم في تفكيك دول عربية كاملة، مما أضعف القدرة الجماعية على مواجهة المشروع الص.هيوني. ففي عالم لا مكان فيه للكيانات المفككة، لا يكون البقاء للأقوى عسكريًا فقط، بل للأقدر على بناء مشروع. وتلك هي الحواسم الحقيقية التي لم تُحسم بعد. من هذه الرحلة في دلالات الحواسم، يمكن استخلاص عدة دروس:

أ‌. الدولة التي لا تملك مشروعاً مستقلاً تصبح موضوعاً لمشاريع الآخرين.

ب‌. الفراغ الاستراتيجي لا يملأ نفسه بنفسه، بل تملؤه قوى أخرى غالباً ما تكون معادية.

ت‌. الهويات الجزئية ليست بديلاً عن الهوية الوطنية الجامعة، بل هي نتاج لانهيارها.

ث‌. المشروع القومي ليس ترفاً أيديولوجياً، بل ضرورة وجودية في عالم التكتلات والهيمنة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.