الوطن العربي بين مشاريع الهيمنة: الإمبراطورية الأمريكية، الص.هيونية، والإقليمية الإيرانية والتركية

صحيفة الهدف

أ‌. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة

لا يمكن فهم ما يجري في الشرق الأوسط اليوم بوصفه مجرد سلسلة من الأزمات السياسية أو الح.روب المتفرقة. فخلف الأحداث اليومية المتلاحقة يقف صراع أعمق بين مشاريع كبرى تتنافس على النفوذ والهيمنة في منطقة تمثل قلب النظام الجيوسياسي العالمي. وفي هذا السياق يصبح الوطن العربي ساحة تتقاطع فيها أربعة مشاريع رئيسية: المشروع الإمبراطوري الأمريكي، والمشروع الص.هيوني التوسعي، والمشروع الإقليمي الإيراني، والمشروع التركي.

وقد انطلق هذا التحليل من رؤية حزب البعث العربي الاشتراكي كما تجلّت في بيان القيادة القومية الصادر في 28 يناير 2026 بمناسبة انعقاد المؤتمر القومي الثالث عشر. فالبيان حذّر بوضوح من أن ‘الفضاء العربي بات ساحة مفتوحة لتنافس المشاريع الخارجية، وأكد أن ‘الأمة تمر بحالة من التفكك والضعف تجعلها عاجزة عن حماية مصالحها الاستراتيجية. ومن هنا تنبع ضرورة تفكيك هذه المشاريع وكشف آلياتها.

في أدبيات العلاقات الدولية يُشار إلى هذا النوع من التفاعلات بوصفه صراعًا بين مشاريع جيوسياسية كبرى تسعى إلى إعادة تشكيل موازين القوى في منطقة معينة. ويعد الشرق الأوسط أحد أهم هذه الفضاءات الاستراتيجية، نظرًا لموقعه الجغرافي الذي يربط آسيا وأفريقيا وأوروبا، إضافة إلى احتضانه لموارد الطاقة الحيوية ومسارات التجارة العالمية.

وقد أشار بيان القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي الصادر في العاشر من مارس 2026 إلى هذه الحقيقة بوضوح عندما اعتبر أن المواجهة العسكرية الدائرة بين الولايات المتحدة والكيان الصه.يوني من جهة، والنظام الإيراني من جهة أخرى، ليست مجرد نزاع عابر، بل صراع بين مشاريع تسعى جميعها إلى توسيع نفوذها داخل المجال العربي وإعادة تشكيل توازنات المنطقة بما يخدم مصالحها الخاصة. هذه القراءة تكشف أن المسألة لا تتعلق فقط بتوازنات القوة العسكرية، بل بطبيعة المشاريع السياسية والاستراتيجية التي تتحرك في المنطقة.

يأتي في مقدمة هذه المشاريع المشروع الإمبراطوري الأمريكي، الذي تشكل بعد نهاية الح.رب العالمية الثانية وتعزز بصورة أكبر عقب نهاية الح.رب الباردة. فقد وجدت الولايات المتحدة نفسها القوة الدولية الأكثر قدرة على التأثير في النظام العالمي، وسعت إلى ترسيخ نظام دولي يضمن استمرار تفوقها الاقتصادي والعسكري. في هذا الإطار اكتسبت المنطقة العربية أهمية استثنائية. فهي تحتوي على أكبر احتياطيات الطاقة التقليدية في العالم، وتشرف على أهم الممرات البحرية الحيوية التي تربط الشرق بالغرب. ومن هنا أصبح الحفاظ على النفوذ الأمريكي في هذه المنطقة هدفًا استراتيجيًا طويل المدى.

ولم يكن الانتشار العسكري الأمريكي الواسع في الخليج العربي والبحر الأحمر والبحر المتوسط مجرد تدبير أمني عابر، بل جزءًا من بنية استراتيجية تهدف إلى ضمان بقاء القرار الجيوسياسي في هذه المنطقة ضمن نطاق التأثير الأمريكي. وقد بلغ هذا المشروع ذروته مع غزو العراق عام 2003، حين حاولت واشنطن إعادة تشكيل توازنات المنطقة بما يضمن لها موقعًا مهيمنًا في النظام الإقليمي.

وقد اعتبر العديد من الباحثين أن احتلال العراق عام 2003 كانت لحظة مفصلية في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، إذ أدت إلى انهيار أحد أهم مراكز القوة العربية، وفتحت المجال أمام صعود قوى إقليمية أخرى مثل إيران وتركيا لتعزيز حضورها في المنطقة.

لكن المشروع الأمريكي لم يتحرك وحده، بل ارتبط منذ البداية بتحالف عميق مع المشروع الصه.يوني الذي يمثله الكيان الص.هيوني في فلسطين المحتلة.

فالمشروع الصه.يوني لم يكن منذ نشأته مجرد مشروع لإقامة دولة في فلسطين، بل حمل في جوهره تصورًا أوسع يتعلق بإعادة تشكيل البيئة الإقليمية المحيطة به. فالدولة التي قامت على أساس استيطاني توسعي وجدت نفسها في حالة صراع دائم مع محيطها العربي، وهو ما دفعها إلى البحث عن تفوق عسكري واستراتيجي دائم يضمن استمرارها وتوسع نفوذها.

وفي هذا السياق تحول التحالف مع الولايات المتحدة إلى ركيزة أساسية في الاستراتيجية الص.هيونية. فالدعم العسكري والسياسي الأمريكي لم يقتصر على حماية الكيان الص.هيوني، بل ساهم في تعزيز دوره كحليف استراتيجي متقدم داخل المنطقة.

ولا تقتصر الاستراتيجية الص.هيونية على التحالف مع واشنطن، بل تمتد إلى محاولة إحياء ما عُرف بـ(استراتيجية الأطراف)، التي أطلقها بن غوريون في الخمسينيات. هذه الاستراتيجية تهدف إلى تطويق العرب عبر تحالفات مع قوى إقليمية غير عربية: تركيا، إيران (في عهد الشاه)، إثيوبيا. واليوم، يعيد بنيامين نتنياهو إحياء هذه الاستراتيجية في صيغة جديدة، يسعى فيها لبناء تحالفات ناشئة مع اليونان وقبرص وبعض القوى الدولية مثل الهند وقبرص، بهدف (تطويق) الوطن العربي وعزلها عن محيطها الإقليمي. هذا البعد يضيف طبقة جديدة من التعقيد للمشروع الصه.يوني، الذي لم يعد يكتفي بالهيمنة المباشرة، بل يسعى أيضًا إلى إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية بما يخدم تفوقه.

وقد ظهر هذا الدور بوضوح في الح.روب المتكررة التي شنها الكيان الصه.يوني في فلسطين ولبنان وسوريا، وفي السياسات التي تستهدف إعادة تشكيل البيئة السياسية المحيطة به. فالمشروع الص.هيوني، في جوهره، لا يتوقف عند حدود السيطرة على فلسطين، بل يتطلع إلى فرض واقع إقليمي جديد يضمن له التفوق الاستراتيجي في المنطقة.

في موازاة ذلك برز المشروع الإيراني بوصفه مشروعًا إقليميًا يسعى إلى توسيع نفوذه داخل المجال العربي. فمنذ قيام النظام الإيراني الحالي عام 1979 بدأت طهران في تطوير رؤية استراتيجية تقوم على توسيع حضورها السياسي والعسكري خارج حدودها، مستفيدة من التحولات التي شهدتها المنطقة.

وقد أتاح انهيار بعض التوازنات الإقليمية، خاصة بعد غزو العراق عام 2003، فرصًا واسعة أمام هذا المشروع للتوسع. فمع تفكك بعض الدول العربية أو انشغالها بأزماتها الداخلية، تمكنت إيران من تعزيز نفوذها في عدة ساحات إقليمية عبر شبكة من التحالفات السياسية والعسكرية.

غير أن هذا المشروع الإقليمي لا ينبغي قراءته بوصفه كتلة متماسكة من الإرادة والقوة. فالتقارير الحديثة تشير إلى أزمة اقتصادية متفاقمة داخل إيران، حيث بلغ التضخم 40 % – 50%، واتسعت رقعة الاحتجاجات الشعبية على تردي الأوضاع المعيشية. كما أن الصراع الداخلي بين التيارات المختلفة داخل النظام، وبين المؤسسة الدينية والحرس الثوري، يكشف عن هشاشة داخلية تتناقض مع صورة القوة التي يسعى المشروع الإيراني إلى إبرازها إقليميًا. هذه التناقضات تطرح سؤالاً جوهريًا: هل يستطيع مشروع يعاني من هذه الهشاشة الداخلية أن يحافظ على تمدده الإقليمي على المدى الطويل؟

وفي خطابها السياسي حاولت طهران تقديم هذا الدور بوصفه جزءًا من دعم قضايا المقاومة في المنطقة، غير أن التمدد الإيراني في العديد من الساحات العربية ارتبط أيضًا بصراعات داخلية معقدة أسهمت في تفكيك بعض البنى الوطنية وإعادة تشكيل توازناتها.

هذه المشاريع المتصارعة لم تغب عن وعي القيادة القومية لحزب البعث، التي نبّهت في بيانها الصادر عن المؤتمر الثالث عشر إلى أن :(ما يجري في المنطقة العربية ليس مجرد صراعات عابرة أو أزمات طارئة، بل هو تعبير مكثف عن صراع وجودي على مستقبل الأمة ومقدراتها). وأكد البيان أن (غياب المشروع العربي الجامع هو ما أتاح لهذه القوى أن تتحرك في فضاء عربي مفتوح، تحوّل إلى ساحة لتجاذباتها وصراعاتها).

لا تكتمل خريطة المشاريع المتنافسة في المنطقة العربية دون الوقوف عند المشروع التركي، الذي أخذ في التبلور خلال العقدين الأخيرين تحت مظلة ما يُعرف بـ(العثمانية الجديدة). هذا المشروع لا يعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل يمزجها بأدوات سياسية واقتصادية وإعلامية، مستفيداً من إرث تاريخي (الدولة العثمانية) ومركز ديني (الخلافة الإسلامية سابقاً) لإعادة بناء نفوذ إقليمي يمتد من شرق المتوسط إلى الخليج والقرن الأفريقي.

عسكرياً، تجسد المشروع التركي في تدخلات مباشرة في سوريا (منذ 2016)، والعراق (عمليات متكررة ضد حزب العمال الكردستاني)، وليبيا (2019-2020) التي وقّعت معها أنقرة اتفاقية ترسيم حدود بحرية أثارت جدلاً إقليمياً واسعاً. كما تمتلك تركيا قاعدة عسكرية في قطر (منذ 2015) وأخرى في الصومال، وتواصل تعزيز وجودها في السودان (جزيرة سواكن على البحر الأحمر)، حيث تم الاتفاق 2017، وتعثر بعد 2019.

سياسياً، تبنّت أنقرة خطاباً داعماً لجماعات الإسلام السياسي (خاصة الإخوان المسلمين)، واستضافت قيادات إخوانية بارزة بعد 2013، مما وضعها في مواجهة مع عدة أنظمة عربية (مصر، الإمارات، السعودية في مراحل سابقة). كما نسّقت مع قطر في العديد من الملفات الإقليمية، مشكّلة ما عُرف بالمحور التركي-القطري.

وفي التطورات الأخيرة (مارس 2026)، تظهر تحليلات استراتيجية أن تركيا قد تكون طرفاً في إعادة إحياء (استراتيجية الأطراف) الإسرائيلية، من خلال تحالفات ناشئة مع الهند واليونان وقبرص، تهدف إلى (تطويق) المنطقة العربية وعزلها عن محيطها الإقليمي. هذا يتقاطع مع أطماع تركية في شرق المتوسط (موارد الغاز) وصراعها المستمر مع اليونان.

غير أن هذا المشروع يواجه تحديات داخلية (أزمة اقتصادية حادة، تضخم، تراجع شعبية أردوغان) وخارجية (توتر مع الغرب، صراع مع أطراف إقليمية). ويبقى السؤال: هل تستطيع تركيا الحفاظ على هذا التمدد في ظل تناقضاتها الداخلية والإقليمية؟ وهل سيبقى المشروع التركي مستقلاً أم سيندمج في تحالفات دولية أوسع؟

وهكذا يجد الوطن العربي نفسه اليوم في قلب صراع معقد بين هذه المشاريع الاربعة. فالمشروع الإمبراطوري الأمريكي يسعى إلى الحفاظ على موقعه المهيمن في النظام الدولي، والمشروع الص.هيوني يعمل على تثبيت تفوقه الاستراتيجي داخل المنطقة، بينما يسعى المشروعين الإيراني والتركي إلى توسيع نفوذه الإقليمي مستفيدًا من التحولات الجارية.

ويشير العديد من الباحثين في دراسات النظام الإقليمي إلى أن تراجع القدرة العربية على العمل المشترك منذ تسعينيات القرن العشرين أدى إلى نشوء فراغ استراتيجي في المنطقة. وقد سمح هذا الفراغ بتصاعد أدوار قوى إقليمية غير عربية سعت إلى ملء هذا الفراغ وتحقيق مصالحها الخاصة.

وفي ظل غياب مشروع عربي جامع قادر على تنظيم القوة العربية وتوجيهها، تتحول المنطقة إلى ساحة تتنافس فيها هذه المشاريع، وتصبح الجغرافيا العربية ميدانًا لتجاذباتها وصراعاتها. وهنا تكمن المفارقة الكبرى في المشهد العربي المعاصر. فالأمة التي تمتلك واحدة من أهم الجغرافيات الاستراتيجية في العالم تجد نفسها اليوم في موقع المتأثر بالصراعات لا في موقع الفاعل فيها.

ولذلك فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه العرب لا يقتصر على التعامل مع نتائج هذا الصراع، بل يتعلق بقدرتهم على استعادة دورهم التاريخي عبر بناء مشروع سياسي واقتصادي وأمني قادر على حماية مصالحهم وإعادة التوازن إلى المنطقة. فالتاريخ يعلمنا أن الفراغات الاستراتيجية لا تبقى فارغة طويلًا، بل سرعان ما تملؤها مشاريع الآخرين.

ويختتم بيان القيادة القومية رسالته بدعوة واضحة: (إن معالجة هذا الواقع لا تكون بمجرد ردود أفعال متفرقة، بل بإطلاق المشروع القومي العربي الجامع، القادر على تنظيم قوى الأمة وتوجيه طاقاتها نحو بناء مستقبلها). ويؤكد البيان أن (الثوابت القومية (الوحدة، الحرية، الاشتراكية) تبقى المنارة التي تهتدى بها الأمة في ظلام هذا المشهد المتلاطم). ومن هنا فإن السؤال الأعمق ليس فقط كيف نواجه هذه المشاريع، بل كيف نبني مشروعنا البديل؟

والسؤال الذي سيحدد مستقبل المنطقة في العقود القادمة هو ما إذا كان العرب سيبقون مجرد ساحة لصراع هذه المشاريع، أم أنهم سيتمكنون من صياغة مشروعهم الخاص الذي يعيد لهم موقعهم في معادلة التاريخ.

يتبع ،،،،، لطفاً،،،،،

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.