بقلم: المهندس عادل أحمد محمد
في علم الهندسة، إذا اختلت القياسات في القاعدة، انهار الهيكل مهما علا. وفي السياسة السودانية، يبدو أن “قاعدة” الوطن قد تم استبدالها بـ “سبيكة ذهب” مهرّبة، بينما يُترك الشعب ليواجه الانهيار تحت ركام “الأصفار” المتطايرة وفوضى الأسواق.
لغة الأرقام.. حين تتحدث الفجيعة
دعونا نضع “نقطة نظام” رقمية بعيداً عن العواطف. حسبة بسيطة تكشف حجم “الماسورة” التي وُضعت في وجدان هذا الشعب: كيلو الذهب الواحد يعادل اليوم قرابة الـ 550 مليون جنيه سوداني (بناءً على سعر جرام يلامس الـ 550 ألفاً). وعندما نقيس هذا الكيلو بمعيار “الورق الأخضر” الذي يطاردنا ونطارده، نجد أن قيمته تتجاوز الـ 150 ألف دولار.
الطامة الكبرى ليست هنا، بل في المعلومة التي تمر مرور الكرام: إنتاج السودان “المعلن” من الذهب في عام 2025 بلغ 70 طناً. ولكن، أمسكوا أعصابكم؛ فهذه السبعون طناً ما هي إلا “قمة جبل الجليد”، فهي تمثل فقط 30% من الإنتاج الفعلي الظاهر في الدفاتر، أما الـ 70% المتبقية، فهي تخرج “تهريباً” بنسبة مخيفة تحت أعين وبمباركة قوى الاستهبال السياسي. نحن نتحدث عن مئات الأطنان التي تتبخر، وعن مليارات الدولارات التي كانت كفيلة بتحويل السودان إلى “نمر إفريقي”، لكنها بدلاً من ذلك، تحولت إلى رصاص في صدورنا وقصور في منافي “الجماعة”.
من “التجريف الثقافي” إلى “النهب الهيكلي”
إن هذا النهب ليس مجرد “سرقة مال”، بل هو مكمل لسياسة “التجريف الثقافي” التي انتهجها نظام الـ 89. لقد أدرك “الإسلاميون” أن السيطرة على الذهب تتطلب أولاً السيطرة على “الإنسان”. فدمروا الجامعات كمنابر فكرية، وجففوا منابع الوعي، واستبدلوا ثقافة الجمال (التي جسدها مصطفى سيد أحمد والوردي) بثقافة “القبح” و”ضجيج الحماس الزائف”.
لقد أرادوا تحويل السوداني من “متصوف زاهد” يدرك قيمة اللطف الإلهي ولا يُباع ولا يُشترى، إلى “مواطن ملهوف” يطارد رغيف الخبز بينما هم يهربون 70% من ثرواته عبر المطارات والموانئ. الذهب لم يذهب لبناء المستشفيات، بل ذهبت نسبته “الرسمية” لتمويل كتائبهم، ونسبته “المهربة” لتأمين مستقبلهم في الخارج، تاركين خلفهم وطناً يُذبح باسم الدين.
المفارقة المضحكة المبكية
من السخرية بمكان أن يتحدث “الكيزان” عن “الابتلاء” و”الصبر” وهم يتربعون على عرش من الذهب المنهوب. يبيعون لنا “الوهم” بالدين، ويشترون لأنفسهم “الواقع” بالدولار. المواطن الآن يحمل “أكياساً” من العملة الورقية ليشتري “ربطة جرجير”، في حالة من “الثراء الوهمي” الذي يخفي خلفه سرقة القرن.
الخلاصة
إن الـ 70 طن (المعلنة) والـ 70% (المهربة) هي الشهادة الرسمية على أن السودان وطن غني، لكنه “مذبوح” بسكين نخب أدمنت العمالة والنهب. إن استرداد هذا الوطن يبدأ باسترداد “الوعي” أولاً، وبالإيمان بأن معركتنا ليست مع “الأرقام” فحسب، بل مع “نظام” حاول تجريف عقولنا ليتمكن من نهب ذهبنا بدم بارد.
ما خفي تحت عباءات “هي لله” كان دائماً أعظم، وأصفر، ومرصعاً بدماء الأبرياء.

Leave a Reply