أحمد نصر
كانت البداية الحقيقية للفنّان حمد الرَّيح في مطلع السبعينيات؛ إذ كان قبل ذلك يغنّي في نطاقٍ محدود في حفلات الأهل والأقارب، خصوصًا في المناسبات الاجتماعية بجزيرة توتي.
وفي مطلع السبعينيات أطَلَّ حمد الرَّيح على الجمهور عبر الإذاعة بأغنيتي (إنت كلّك زينة) و (يا مريّة) ، فحصد إعجابًا جماهيريًا واسعًا لم يكن يتوقّعه هو نفسه.
في البداية وجدت أغنية (إنت كلّك زينة) رواجًا غير مسبوق، خاصة في برامج الإذاعة والحفلات، بل أصبحت النغمة الأساسية في البصّات السفرية، وهو ما يعكس سرعة انتشارها بين الناس وبساطة وصولها إلى الوجدان الشعبي.
ومن أهم عوامل نجاح الفنان حمد الرَّيح الفترة التي قضاها موظفًا في مكتبة جامعة الخرطوم، حيث أتاحت له هذه الوظيفة فرصة القراءة والاطلاع على الروايات ودواوين الشعر المختلفة. ومن هناك اختار نصوصًا مميزة ليغنّيها؛ فاختار أغنية )يا مريّة) من ديوان الشاعر صلاح أحمد إبراهيم، كما اختار قصيدة (الصباح الجديد) من ديوان الشاعر أبي القاسم الشابي.
وفيما بعد اختار أيضًا قصيدة )حبيبتي) للشاعر نزار قباني، ليصبح حمد الرَّيح بذلك أول فنان عربي يغنّي لنزار قباني، قبل أن يغنّي له لاحقًا كلٌّ من عبد الحليم حافظ ونجاة الصغيرة، وفي السنوات الأخيرة كاظم الساهر.
تواصلت بعد ذلك مسيرة حمد الرَّيح الفنية ليضيف إلى الأغنية السودانية أعمالًا بارزة مثل: (حليل الراحوا)، (يا مساخة الحِلّة)، و(لا سلام منّك ولا تحية). ثم جاءت الأغنية التي شكّلت إضافة نوعية للأغنية السودانية وهي (إلى مسافرة) من كلمات الشاعر عثمان خالد، والتي فتحت أمامه آفاقًا جديدة من النجاح ورسّخت مكانته كفنان قادر على تطوير الأغنية السودانية والارتقاء بها.
بعد ذلك واصل حمد الرَّيح نجاحاته، فقدم أغنية (الساقية (من كلمات الشاعر عمر الطيّب الدوش وألحان ناجي القدسي. وهي الأغنية التي أثارت كثيرًا من الجدل؛ إذ إن كلماتها لامست واقعًا اجتماعيًا قاسيًا ومعاناة الناس في ظل هيمنة وديكتاتورية النظام المايوي آنذاك.
كما أن إحدى الجُمل اللحنية في الأغنية وظّفها الناس بطريقة ساخرة لتنسجم مع الهتاف السياسي الشهير: “راس نميري مطلب شعبي”، الأمر الذي أدى إلى إيقاف الأغنية ومنع بثّها لفترة من الزمن.
وفي فترة قيام معهد الموسيقى والمسرح، حين أُعجب خبراء الموسيقى الكوريون الذين عملوا في المعهد بعبقرية محمد أحمد سرور والكاشف وألحانه، ودهشتهم من أنه غير دارس للموسيقى، وكذلك الفنان عثمان حسين؛ كان لحمد الرَّيح أيضًا نصيب من هذا الإعجاب. وقد قاموا بتوزيعٍ موسيقي جديد لبعض أغنياته، منها: (شالوا الكلام(، )لو عارف عيونك)، و(الغاريك جمالك).
وتواصلت مسيرة حمد الرَّيح ليقدم عددًا من أجمل الأغنيات في تاريخ الغناء السوداني، منها: (طير الرهو) كلمات الشاعر إسماعيل حسن وألحان صلاح ابن البادية، إلى جانب أغنيات: (أحلى منك)، (خلّيتني ليه عشت الشقا)، (الظروف يا حلوة)، و (نسمة العز) وغيرها من الأعمال التي رسّخت حضوره الفني.
وقد أسهم حمد الرَّيح إسهامًا كبيرًا في توسيع دائرة الاهتمام بالأغنية السودانية خارجيًا، من خلال مشاركاته في المهرجانات العربية والإفريقية والأوروبية، إضافة إلى الرحلات الفنية المشتركة مع زملائه الفنانين، وكذلك الجولات التي كان يقوم بها مع فرقته الموسيقية.
وفي ديسمبر 2020 جاء رحيله الحزين بعد معاناة مع حمّى الضنك، ليرحل جسدًا ويبقى أثرًا وصوتًا في الذاكرة السودانية.
وسيظل حمد الرَّيح اسمًا لامعًا في أجمل صفحات التاريخ الغنائي في السودان، بما قدّمه من عطاءٍ رصينٍ وجميل، وبما تركه من إرثٍ فنيّ سيبقى حيًّا في وجدان الناس.

Leave a Reply