بين “مرمر” صلاح و”ساقية” الدوش

صحيفة الهدف

ماجد الغوث
إذا تأمّلنا النصَّين نجد أنّنا أمام وجهين لعملةٍ واحدة هي “الوجودية السودانية”:
صلاح أحمد إبراهيم في “مريّة” “فلسفة الندّية والتحرّر.”. صلاح في “مريّة” لا يكتب غزلًا تقليديًا، بل يمارس نحتًا للهوية. فلسفته تقوم على كسر المركزية الجمالية الغربية. يستخدم أدوات الغرب (إزميل فِدياس، وأساطير الإغريق) ليؤكّد حضور الحرارة الإفريقية وقوّتها الرمزية.
“مريّة” هنا ليست مجرد امرأة، بل رمز للجمال الذي ينبغي أن يخضع لسطوة الأبنوس. الفلسفة في النص فلسفة تحدٍّ؛ فالإنسان السوداني ليس متلقيًا للجمال فحسب، بل خالقٌ له ومتمرّد على “آلهته الحمقاء” التي تحاول حرمانه حقّ الامتلاك.
عمر الطيّب الدوش في (الساقية) “فلسفة التكرار والارتهان”
بينما كان صلاح ينظر إلى الخارج (مريّة)، كان الدوش ينظر إلى الداخل (الساقية). فلسفة الدوش تقوم على ما يمكن تسميته العبث النبيل. الساقية التي “تدور وتجيب الموية من تحت وتكُبَّها فوق” تصبح رمزًا لدوّامة الحياة والسياسة والمعاناة السودانية التي تدور في حلقةٍ مفرغة. لقد حوّل الدوش الوجع اليومي إلى رمزٍ إنساني واسع.
فإذا كانت “مريّة” صرخة حرية، فإن “الساقية” صرخة وعي بالقيد الذي يلتفّ حول معصم الوطن.
عبقرية اللحن والأداء
هنا ننتقل من الفكرة إلى التجسيد، حيث تتجلّى عبقرية ناجي القدسي وجرأة حمد الرَّيح.
1/ ناجي القدسي (المهندس الذي خلط الألوان)
تكمن عبقرية ناجي في أنّه فكّ شفرة الروح السودانية بمنظورٍ خارجي (يمني).
– الهجنة النغمية: لم يكتفِ ناجي بالسُّلَّم الخماسي السوداني، بل ضخّ فيه روحًا سباعية وتطريباتٍ يمانية عريقة. هذا التمازج خلق لحنًا مفردًا يقف خارج التصنيفات الموسيقية المألوفة.
– التصوير الدرامي: ناجي لا يُلحّن الكلمات فقط، بل يُلحّن الحالات الشعورية. في “الساقية” نسمع أنين الجهد ودوران التعب، بينما في “مريّة” “رغم أن لحنها لحمد” نجد الروح التجديدية ذاتها في صعود اللحن وهبوطه مع نبض الصراع الحضاري.
2/ حمد الرَّيح (الحنجرة التي لا تعرف الخوف)
كان حمد الرَّيح البوتقة التي انصهرت فيها هذه العناصر جميعًا.
– الجرأة في الاختيار: لم يتردّد في غناء نصوصٍ فلسفية معقّدة كان يمكن أن تبقى حبيسة الكتب. لقد أنسن الفلسفة بصوته.
– الأداء الديناميكي: يمتلك قدرة نادرة على الانتقال من الهمهمة العاطفية الرقيقة (يا مريّة) إلى الزئير الإفريقي الصاخب. لم يكن يغنّي فقط، بل كان يمثّل النص بصوته، مانحًا ألحان القدسي والدوش وصلاح طاقةً درامية حيّة.
الخلاصة”
إن اجتماع صلاح أحمد إبراهيم وعمر الطيّب الدوش “كعقلٍ مفكّر” مع ناجي القدسي وحمد الرَّيح “كروحٍ مجسِّدة”، أنتج ما يمكن تسميته “المعجزة الموسيقية السودانية”.
إنها الخلطة التي جعلت السواد نورًا، والساقية نشيدًا للحرية، ومريّة وثيقة اعتزاز لا تنحني.
لقد استطاع هؤلاء العمالقة أن يثبتوا للعالم أنّ هذا الإنسان الأبنوسي يمتلك إزميلًا قادرًا على نحت الجمال، وحنجرةً قادرة على هزّ عرش الآلهة الحمقاء.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.