ندى أوشي
في عامٍ كانت فيه الأرض تتصدّع تحت وطأة الحرب والألم والنزوح، بزغت ثلاث نجمات في سماء الأدب في السودان، لا نورهنّ كغيره من الأنوار، بل نورٌ يصنعن به مجدًا للكلمة، ويغزلن به قصائد الوجود.
في يوم المرأة العالمي، لا نذكرهنّ ونحتفي بهنّ كنساء فحسب، بل نسرد سيرتهنّ كمنارات، كأصواتٍ جعلت من القلم وسيلة للحياة. نذكر اليوم إنجازاتهنّ التي تجاوزت حدود السودان لتصبح حضورًا دائمًا في خارطة الأدب المعاصر.
ليلى أبو العلا لم تختر العيش على الهامش، مثلها مثل سودانيات كثر يقمن في المنفى، بل أطلقت صوتها لينطق بلغة التاريخ والهوية عبر أنسجة السرد. وفي رواياتها المتعدّدة صنعت سردًا يمتزج فيه الفرد بالمجتمع، والذات بالعالم. وفي عملها الأخير (روح النهر) تجاوزت العادي، وحملت رؤية إنسانية وفنية متجدّدة، جعلتها تستقر في قلوب القرّاء قبل الصفحات. فكان استحقاقًا أن تتوّج في العام 2025 بجائزة PEN/ Harold Pinter Prize البريطانية، تقديرًا لمسيرتها الأدبية وصوتها الذي يمتلك الجرأة والرؤية، ويعيد طرح الأسئلة الكبرى عن الهوية والإنسانية. لقد أكّد هذا التكريم العالمي أن الكلمة التي تُكتب بوعي يمكن أن تعبّر عن تاريخ وقيمة وحقيقة شعب كامل.
وإذا كانت الرواية تجد في ليلى أبو العلا قوةً في الإمساك بالذاكرة التاريخية، فإن استيلا قايتانو، ابنة السودان وجنوبه، تمثّل تجربةً استثنائية في الجرأة السردية. في روايتها (إريم)، تقرأ استيلا المرأة من داخلها قبل أن تقرأ العالم، وتضع النفس في حضن التحديات والأمل، في سرد يمزج بين الوجدان والهوية، بين الذات والمجتمع.
واعترافًا بصوتٍ لا يخشى الحديث عن الحرب والسياسة والهوية، منحتها جائزة PEN / Writer of Courage لعام 2025 لقب (كاتبة الشجاعة)، تقديرًا لشجاعة كتابتها وقدرتها على جعل الأدب وسيلةً للتحرّر النقدي والوجودي. هذه الجائزة لم تكن شهادة تقدير عادية، بل شهادة عالمية بأن المرأة السودانية قادرة على أن تكون صوتًا للحرية في السرد، وأن الأدب يمكن أن يكون أداة مقاومة وفهم وتغيير.
وبينما كرّمت الجائزتان العالميتان السرد والرواية، جاء تكريم رانيا مأمون في عام 2026 ليعبّر عن اتساع حضور القصة القصيرة السودانية في العالم. فقد أعلنت جائزة القلم البريطانية للترجمة PEN Translates في 6 فبراير 2026 فوز السودانية رانيا مأمون عن مجموعتها القصصية (تحت شجرة النيم) في ترجمتها إلى الإنجليزية التي أعدّتها إليزابيث جاكيت. هذه الجائزة، التي تُمنح للأعمال الأدبية المترجمة بهدف تعزيز التنوع الثقافي وتوسيع دائرة القرّاء، لم تُمنح لرانيا لعملٍ واحد فحسب، بل لصوتٍ سردي يمتلك ثراءً لغويًا وأبعادًا إنسانية عميقة، تتجاوز الثقافة المحلية لتتصل بالوجدان الإنساني العام. إن اختيار (تحت شجرة النيم) ضمن قائمة العناوين المترجمة يعكس اعترافًا عالميًا بالأدب السوداني القصصي، وبقدرة المرأة في الكتابة على إحداث تأثير عالمي عبر الترجمة والنشر.
في اليوم العالمي للمرأة، نحتفي بهؤلاء النجمات، ليس فقط لأجل الجوائز أو التكريمات، بل لأنهنّ شرفن بلدهنّ بصوتهنّ، وأثبتن أن المرأة في الأدب ليست مجرد مشاركة، بل هي قلب النبض وصوت الخلود.
هؤلاء النساء لم يكتبن فقط.. إنهنّ أعدن تعريف الكلمة بوصفها وطنًا يعيش في النصّ وفي ذاكرة القارئ.

Leave a Reply