الثابت والمتغير: رؤية بعثية في المبدئية والمراجعة النقدية

صحيفة الهدف

أ‌. طارق عبد اللطيف أبو عكرمة

تمر الأمة العربية اليوم بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها التحديات السياسية والاقتصادية والفكرية، وتتعرض فيها الهويات الوطنية والقومية لاختبارات قاسية. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، يعود السؤال القديم ليفرض نفسه من جديد: ما الذي ينبغي أن يبقى ثابتاً في مسيرة الأمة، وما الذي يجب أن يتغير حتى تستطيع أن تواكب حركة التاريخ؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ليست مجرد مسألة فكرية، بل هي مسألة مصيرية تتعلق بقدرة الأمة على الحفاظ على هويتها وفي الوقت نفسه تجديد أدواتها في مواجهة التحولات الكبرى في العالم.

في حياة الأفراد كما في حياة الأمم، ثمة معادلة دقيقة تحكم مسار التاريخ، ما الذي ينبغي أن يبقى ثابتًا، وما الذي يجب أن يتغير؟ إن المجتمعات التي تفشل في التمييز بين الثابت والمتغير إما أن تتحول إلى كيان جامد يعيش خارج الزمن، أو إلى كيان مائع يفقد هويته في دوامة التحولات.

الثابت هو ذلك الجذر العميق الذي يمنح الإنسان هويته ومعناه، هو منظومة القيم التي تشكل الضمير الأخلاقي للأفراد والجماعات. في هذا الإطار تتجسد معاني الكرامة، والصدق، والعدل، والوفاء، والانتماء. هذه ليست أفكارًا قابلة للمساومة، لأنها تمثل الأساس الذي يقوم عليه البناء كله. فإذا اهتزت هذه القيم، لم يعد المجتمع يملك معيارًا يقيس به أفعاله أو يصحح مساره.

وفي الفكر القومي العربي، وعلى وجه الخصوص في رؤية حزب البعث، تأخذ هذه المعادلة بعداً تأسيسياً. فالأستاذ ميشيل عفلق، في تأمله لحركة الأمة العربية، ميز بين ما أسماه (روح الأمة)، التي تبقى ثابتة عبر التاريخ، و(أشكال تجلياتها)، التي تتغير بتغير الظروف. فاللغة العربية، التراث الحضاري، القيم الأخلاقية، والشعور بالمصير المشترك هي من الثوابت التي لا تقبل المساومة. أما أشكال التنظيم السياسي، آليات العمل القومي، وسائل تحقيق الوحدة والعدالة الاجتماعية، فهي من المتغيرات التي تخضع للتطور والمراجعة. هذا التمييز المنهجي هو ما مكّن الحزب، في مؤتمره القومي الثالث عشر، من صياغة رؤية متجددة للعلاقة بين الحزب والدولة والمواطن، دون أن يتخلى عن مبادئه التحررية.

وقد أثبتت التجربة التاريخية للحركة القومية العربية أن الخلط بين الثابت والمتغير كان أحد أسباب الإخفاق في بعض المراحل. ففي فترات معينة تحولت بعض الأدوات السياسية أو التنظيمية إلى ما يشبه المقدسات، بينما كانت في الأصل مجرد وسائل مرحلية. وفي المقابل، تعرضت بعض القيم الجوهرية، كالديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية، إلى التهميش تحت ضغط الظروف السياسية أو الصراعات الداخلية. إن استعادة التمييز بين الثابت والمتغير تمثل اليوم ضرورة فكرية وسياسية لإعادة بناء المشروع القومي العربي على أسس أكثر نضجاً وواقعية.

أما المتغير فهو مساحة الاجتهاد والتطور. فالحياة لا تقف عند لحظة واحدة، والتاريخ لا يعيد نفسه إلا لمن يعجز عن فهمه. تتغير الوسائل، وتتبدل الأدوات، وتتطور أشكال التنظيم الاجتماعي والسياسي، لكن هذه التحولات لا ينبغي أن تمس جوهر القيم التي تمنح المجتمع تماسكه.

هنا تظهر المسؤولية بوصفها الرابط الأخلاقي بين الثابت والمتغير. فالمسؤولية ليست مجرد التزام قانوني أو واجب اجتماعي، بل وعي عميق بأن الإنسان شريك في صناعة مصير مجتمعه. إنها شعور داخلي بأن الانتماء لا يكتمل بالشعارات، بل بالفعل الذي يترجم القيم إلى واقع.

فالانتماء الحقيقي ليس مجرد انتساب إلى أرض أو جماعة، بل هو علاقة أخلاقية تقوم على المشاركة في حماية المصلحة العامة والسعي إلى تقدم المجتمع. ومن دون هذا المعنى العميق للانتماء، تتحول الأوطان إلى خرائط جغرافية بلا روح. لكن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس التغير ذاته، بل ما يمكن تسميته بـالانقلاب الذاتي، ذلك التحول الذي يحدث حين يتخلى الإنسان عن قيمه الأساسية تحت ضغط المصلحة أو الخوف أو الإغراء. فالانقلاب الذاتي لا يبدأ بانهيار المؤسسات الكبرى، بل يبدأ بلحظة صغيرة يقرر فيها الفرد أن يساوم على مبدئه.

وحين تتكرر هذه اللحظة على نطاق واسع، يتحول المجتمع كله إلى فضاء تتراجع فيه الثقة، وتذوب فيه الحدود بين الصواب والخطأ. عندها لا يصبح السؤال: لماذا تراجعت الأمة؟ بل يصبح السؤال الأعمق: متى بدأنا نتخلى عن أنفسنا؟

والتجارب القومية شهدت نماذج مؤلمة لهذا الجمود الفكري، حين تم تحويل بعض الوسائل (كمركزية الحزب، أو هيمنة الدولة على الاقتصاد) إلى مقدسات لا تقبل المراجعة، بينما تم التضحية بثوابت حقيقية (كالحرية والعدالة) تحت ضغط المصالح الآنية. هذه التجارب تذكرنا بأن أخطر ما يواجه المشروع القومي ليس أخطاء التطبيق، بل تحويل النسبي إلى مطلق، والمتغير إلى ثابت.

وهنا تبرز المبدئية كحارس أخلاقي للوعي. فالمبدئية لا تعني الجمود أو العناد، بل تعني القدرة على التمييز بين ما يمكن التنازل عنه وما لا يجوز المساس به. إنها البوصلة التي تمنع الإنسان من أن يضيع في زحام المصالح المتغيرة.

وفي سياق العمل التنظيمي، لا يكتمل معنى المبدئية دون الانضباط الواعي. فالانضباط في الفكر البعثي ليس خضوعاً أعمى، بل هو التزام حر بقرار الجماعة بعد نضج الوعي واكتمال النقاش. إنه الترجمة العملية للمسؤولية، حيث يلتزم الفرد بما اتخذته المؤسسات الحزبية من قرارات، حتى لو خالفت رأيه الشخصي، لأن قرار الحزب يمثل تقديره للمصلحة العامة بعد استنفاد وسائل النقاش. بهذا المعنى، يصبح الانضباط التنظيمي حارساً للمبدئية من جهة، وحامياً للوحدة الحزبية من جهة أخرى، مانعاً تحول الخلاف الفكري إلى انقسام وجودي. فالمبدئي ليس من يرفض التغيير، بل من يعرف كيف يغير الوسائل دون أن يخون الغايات. فالتاريخ يعلمنا أن الأمم التي حافظت على قيمها الأساسية استطاعت أن تتجدد باستمرار، بينما سقطت الأمم التي استبدلت المبادئ بالمصالح الآنية.

وهنا تبرز أهمية المراجعة النقدية كآلية منهجية لتحقيق هذا التوازن. فالمراجعة ليست انقلاباً على المبادئ، ولا تبريراً للأخطاء، بل هي العودة الدورية إلى الثوابت لاختبار مدى تطابق الممارسات معها. وفي تجربة حزب البعث، شكل المؤتمر القومي الثالث عشر، عُقد في لبنان (يناير 2026م) نموذجاً لهذه المراجعة الواعية، حيث تم التأكيد على ثبات المبادئ القومية (الوحدة، الحرية، الاشتراكية) مع تطوير آليات العمل الحزبي (الديمقراطية الداخلية، التعددية، الانفتاح على الآخر). بهذا المعنى، تكون المراجعة النقدية هي الضمانة التي تمنع الحزب من أن يتحول إلى كيان جامد أو أن يذوب في متغيرات المرحلة.

إن التوازن بين الثابت والمتغير هو جوهر النضج الحضاري. فالثابت يمنحنا الجذور، والمتغير يمنحنا القدرة على النمو. والمسؤولية تجعلنا شركاء في صنع المستقبل، بينما يحمي الانتماء روح الجماعة من التشتت.

وفي ظل التحولات الدولية الراهنة، وما تشهده المنطقة العربية من صراعات وتدخلات خارجية وتحديات تنموية، يصبح التمييز بين الثابت والمتغير مسألة مصيرية. فالثابت هو الإيمان بوحدة الأمة العربية وحقها في الحرية والتقدم والعدالة، أما المتغير فهو الوسائل والأدوات التي يمكن أن تتطور بتطور الزمن. فالأمم الحية لا تتخلى عن مبادئها، لكنها في الوقت ذاته لا تجمد عند أشكال قديمة من العمل السياسي أو الاقتصادي، بل تبحث باستمرار عن صيغ جديدة أكثر قدرة على تحقيق أهدافها التاريخية.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه أي مشروع نهضوي لا يكمن في التمسك بالمبادئ أو في الدعوة إلى التغيير، بل في القدرة على تحقيق التوازن الخلاق بينهما. فالأمم التي تفقد مبادئها تفقد هويتها، والأمم التي تخشى التغيير تفقد قدرتها على الحياة. أما الأمم التي تنجح في الجمع بين الجذور العميقة والقدرة على التجدد، فهي وحدها القادرة على صناعة التاريخ. ومن هنا فإن معادلة الثابت والمتغير ليست مجرد فكرة فلسفية، بل هي أحد الشروط الأساسية لبقاء الأمة العربية واستمرار مشروعها التحرري في عالم سريع التحول.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.