أ. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة
المرأة نصف المجتمع، ومجتمعنا سيبقى متخلفاً ومقيداً بالأغلال ما لم تتحرر نساؤه وتستنر عقولهن وتتعلم: بهذه العبارة المكثفة عبّر الفكر البعثي منذ بداياته عن رؤيته لمكانة المرأة في مشروع النهضة العربية. ولم تكن هذه الكلمات مجرد شعار سياسي عابر، بل تعبيراً عن رؤية فلسفية عميقة ترى أن تحرير المجتمع يبدأ من تحرير الإنسان، وأن الإنسان لا يمكن أن يكون حراً ما لم تكن المرأة شريكاً كاملاً في الحرية والمسؤولية وصناعة المصير.
ففي التصور القومي البعثي، لا تُفهم الأمة بوصفها مجرد جماعة بشرية تعيش في رقعة جغرافية مشتركة، بل باعتبارها كياناً تاريخياً وروحياً تتشكل ملامحه عبر تفاعل طاقات أبنائه وبناته معاً. ومن هنا فإن تهميش المرأة لا يعني فقط ظلم نصف المجتمع، بل يعني تعطيل نصف طاقته الحضارية وقدرته على التجدد. إن سؤال المرأة في المشروع القومي البعثي ليس سؤالاً اجتماعياً محدوداً، بل هو سؤال حضاري يرتبط بطبيعة النهضة العربية ذاتها: كيف يمكن لأمة تسعى إلى التحرر والوحدة والتقدم أن تحقق مشروعها التاريخي إذا بقي نصفها خارج معركة البناء؟
أولاً: المرأة في النظرية البعثية – رؤية تأسيسية للحرية والنهضة
1. المرأة في فلسفة الوجود الاجتماعي: تنطلق الرؤية البعثية من تصور إنساني شامل يرى الإنسان كائناً اجتماعياً فاعلاً في التاريخ، لا مجرد فرد منعزل. ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى المرأة باعتبارها (قضية خاصة)، بل باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من البنية الكلية للمجتمع. فالمرأة، في هذا التصور، ليست مجرد عنصر داخل المجتمع، بل هي أحد مصادر تشكيله الثقافي والأخلاقي. إنها الحاضنة الأولى للهوية، والوسيط الذي تنتقل عبره القيم والمعاني من جيل إلى جيل. ولذلك فإن درجة تحرر المرأة تعكس في جوهرها درجة تحرر المجتمع نفسه. وقد أدرك مؤسسو الفكر البعثي، وفي مقدمتهم الأستاذ ميشيل عفلق، أن أي مشروع نهضوي حقيقي لا يمكن أن ينجح إذا بقيت المرأة محصورة في أدوار تقليدية ضيقة، محرومة من حقها في التعليم والعمل والمشاركة في الحياة العامة. فالحرية، في الفكر البعثي، ليست امتيازاً لفئة دون أخرى، بل قيمة إنسانية شاملة، إما أن تكون للجميع أو لا تكون.
2. . المرأة في فلسفة التاريخ العربي: لم ينظر الفكر البعثي إلى قضية المرأة الحضارة. فمن الخنساء التي خلّدت في شعرها قيم الصبر والبطولة، إلى سكينة بنت الحسين التي كانت مجالسها فضاءً للحوار الثقافي في صدر الإسلام، إلى شاعرات الأندلس اللواتي أبدعن في زمن ازدهار الحضارة العربية الإسلامية، ظل حضور المرأة في الحياة الفكرية والثقافية حضوراً فاعلاً. بالتالي إن استعادة هذا التاريخ ليست مجرد حنين إلى الماضي، بل تأكيد على أن دور المرأة في الحياة العامة ليس ظاهرة طارئة على المجتمع العربي، بل جزء أصيل من تكوينه الحضاري.
3. تحرير المرأة بوصفه مهمة ثورية: من هذا المنطلق، اعتبر الفكر البعثي أن تحرير المرأة ليس مجرد إصلاح اجتماعي محدود، بل جزء من المشروع الثوري الهادف إلى تحرير المجتمع بأكمله من القيود التي كبلته عبر عصور الاستبداد والتخلف. فالثورة، في جوهرها، ليست مجرد تغيير في السلطة السياسية، بل تحول عميق في بنية المجتمع وثقافته. ولا يمكن لأي ثورة أن تحقق أهدافها إذا بقيت المرأة خارج عملية التغيير.
ولهذا أكدت أدبيات الحزب أن تحرير المرأة من القيود الاجتماعية والثقافية التي أعاقت مشاركتها في الحياة العامة هو هدف أساسي من أهداف المشروع القومي، لأن الأمة التي تعطل طاقات نسائها إنما تعطل نصف قدرتها على الإبداع والتقدم.
ثانياً: المرأة في التجربة البعثية – التجربة العراقية نموذجاً: شكلت التجربة العراقية في ظل الحكم الوطني قبل الاحتلال الأمريكي في 2003، إحدى أبرز محاولات ترجمة الرؤية البعثية إلى سياسات اجتماعية ومؤسسات عملية. فقد شهد العراق، منذ سبعينيات القرن العشرين، تحولات واسعة في مجالات التعليم والعمل والتنمية الاجتماعية، كان من بينها توسيع مشاركة المرأة في الحياة العامة. تمثل في التالي:
1. الاتحاد العام لنساء العراق: في هذا السياق تأسس الاتحاد العام لنساء العراق ليكون إطاراً تنظيمياً يهدف إلى تعبئة طاقات المرأة والمساهمة في تطوير دورها الاجتماعي والاقتصادي. وقد توسع نشاط الاتحاد ليشمل مختلف محافظات العراق، وأسهم في برامج محو الأمية والتدريب المهني والخدمات الاجتماعية.
2. التعليم والعمل: شهدت العقود اللاحقة توسعاً ملحوظاً في تعليم المرأة العراقية. فقد دخلت أعداد متزايدة من الفتيات المدارس والجامعات، وبرزت نساء في مجالات الطب والهندسة والتعليم والبحث العلمي. كما توسعت مشاركة المرأة في سوق العمل، خصوصاً في القطاعات التعليمية والطبية والإدارية، وهو ما عكس محاولة دمج المرأة في عملية التنمية الوطنية.
3. التشريعات الاجتماعية: رافقت هذه التحولات مجموعة من التشريعات التي هدفت إلى تحسين وضع المرأة، مثل استمرار العمل بقانون الأحوال الشخصية العراقي الصادر عام 1959، الذي كان من أكثر القوانين تقدماً في المنطقة من حيث تنظيم حقوق المرأة في الزواج والطلاق. كما تضمنت السياسات الاجتماعية إجازات أمومة مدفوعة الأجر وبرامج دعم للأسر، في إطار رؤية أوسع تهدف إلى تعزيز دور المرأة في المجتمع.
ثالثاً: المرأة في النضال العربي المعاصر: لم يكن حضور المرأة في المشروع القومي مقتصراً على تجربة قطر عربي واحد، بل تجسد في مختلف أرجاء الوطن العربي بأشكال متعددة.
في العراق، أسهمت المنظمات النسائية في برامج محو الأمية والتدريب المهني والخدمات الاجتماعية. وفي السودان، لعبت المرأة دوراً بارزاً في الحركات الشعبية التي طالبت بالحرية والعدالة. أما في فلسطين، فقد تجسد حضور المرأة في صورة فريدة للمرأة المناضلة التي تجمع بين الصمود الاجتماعي والمقاومة الوطنية. فالمرأة الفلسطينية ليست مجرد شاهدة على الصراع، بل شريك أساسي في معركة الدفاع عن الأرض والهوية. وفي اليمن، حيث تتفاقم الأزمات الإنسانية، برزت مبادرات نسائية تسعى للحفاظ على تماسك المجتمع والمساهمة في جهود السلام. أما في بلدان المغرب العربي، فقد كان للمرأة حضور مهم في حركات التحرر الوطني التي قادت النضال ضد الاستعمار.
رابعاً: مراجعات تطويرية للتجربة: إن قراءة تجربة المرأة في المشروع القومي البعثي تقتضي النظر إليها في سياقها التاريخي الواسع، حيث تتداخل الإنجازات مع التحديات. لقد شكل الاعتراف المبكر بدور المرأة خطوة مهمة في الفكر القومي، كما أن توسيع فرص التعليم والعمل أسهم في تعزيز حضور المرأة في الحياة العامة. غير أن التجارب التاريخية تشير أيضاً إلى أن تمكين المرأة يتطلب استمرار الجهد لتطوير المؤسسات الاجتماعية والثقافية، وتعزيز مشاركتها الفعلية في صنع القرار. إن الدرس الأساسي الذي تقدمه التجربة هو أن تحرير المرأة لا يتحقق بالخطابات وحدها، بل عبر خلق ظروف اجتماعية واقتصادية وثقافية تتيح لها أن تكون فاعلة حقيقية في المجتمع.
خامساً: آفاق المستقبل: إن مستقبل المشروع القومي العربي يرتبط إلى حد كبير بقدرته على استثمار طاقات المجتمع كله، رجالاً ونساءً. فالمرأة العربية اليوم تمتلك مستوى تعليمياً وخبرة اجتماعية يجعلها قادرة على لعب دور أكبر في بناء المستقبل.
إن المطلوب ليس فقط الدفاع عن حقوق المرأة، بل بناء رؤية ثقافية جديدة تعترف بدورها كشريك كامل في النهضة. وهذا يتطلب سياسات تعليمية واقتصادية وتشريعية تعزز حضورها في مختلف مجالات الحياة. كما يتطلب جهداً ثقافياً لتجاوز الصور النمطية التي ما زالت تقيد دور المرأة في بعض المجتمعات.
خاتمة: إن المرأة العربية ليست مجرد نصف المجتمع بالمعنى العددي، بل هي أحد أعمدته الحضارية الأساسية. فهي الحاضنة الأولى للهوية، والضامن لاستمرار الثقافة، والمشاركة الفاعلة في معارك التحرر والبناء. لقد أثبت التاريخ أن نهضة الأمم لا تتحقق إلا حين تتحرر طاقات المجتمع كله. والمرأة العربية، بما تحمله من إرث نضالي وثقافي عميق، تظل شريكاً أساسياً في صياغة مستقبل الأمة. إن المشروع القومي البعثي، في جوهره الفكري، يحمل إمكانية كبيرة لتعزيز هذا الدور، لأنه يقوم على فكرة أساسية مفادها أن الحرية والكرامة والنهضة لا يمكن أن تتحقق إلا بمشاركة جميع أبناء الأمة العربية. وحين تنهض المرأة، تنهض الأمة معها.

Leave a Reply