أمجد السيد
في كل مرة تتصاعد فيها الأسئلة حول نفوذ الإسلاميين داخل الجيش السوداني، يعود الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى الخطاب ذاته تقريبًا نفي قاطع لأي علاقة بين المؤسسةالعسكرية وما يُعرف بالمتأسلمين، بل يصل الأمر أحيانًا إلى طرح السؤال ذاته على الرأي العام وينهم الإخوان المسلمين ديل؟غير أن المشكلة لا تكمن في السؤال بقدر ما تكمن في الوقائع التي تتكرر أمام أعين الجميع، التي تجعل خطاب الإنكار يبدو في مواجهة مباشرة مع واقع يصعب تجاهله.
ففي الوقت الذي ينفي فيه البرهان وجود علاقة بين الجيش والتيار الإسلامي، يخرج قادة وناشطون محسوبون على هذا التيار بتصريحات علنية تتجاوز حدود العمل السياسي أو الدعوي، لتلامس المجال العسكري بصورة مباشرة. بعض هذه التصريحات وصل إلى حد إعلان دعم قوى إقليمية مثل إيران، بل وإبداء الاستعداد للق.تال إلى جانبها.
المفارقة أن هذه التصريحات لا تصدر في الغالب من شخصيات تعمل في المجال المدني فحسب، بل من أفراد يظهرون في الفضاء العام وهم يرتدون الزي العسكري، أو يتحدثون من داخل معسكرات التدريب والتعبئة، أو يرتبطون بتشكيلات تق.اتل في جبهات الح.رب الحالية إلى جانب الجيش.
وهنا يبرز السؤال الذي يتكرر في أذهان كثير من السودانيين
كيف يمكن لشخصيات تعلن انتماءها الفكري والتنظيمي للتيار الإسلامي أن تظهر بالزي العسكري، وأن تتحدث باسم المعركة، ثم يقال في الوقت نفسه إن الجيش لا علاقة له بالمتأسلمين؟
إن القضية هنا ليست مجرد خلاف سياسي أو سجال إعلامي، بل مسألة تتعلق بمصداقية الخطاب الرسمي نفسه. فالإنكار المتكرر في ظل الوقائع الظاهرة لا يؤدي إلا إلى توسيع دائرة الشكوك، ويطرح تساؤلات جدية حول طبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والتيار الإسلامي.
فالمعروف تاريخيًا أن نظام الحركة الإسلامية في السودان بنى خلال ثلاثة عقود شبكة عميقة من النفوذ داخل مؤسسات الدولة، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية. ولم يكن ذلك أمرًا خافيًا؛ بل كان جزءًا من مشروع التمكين الذي اعتمدته السلطة منذ انقلاب عام 1989، حيث جرى إحلال كوادر الحركة الإسلامية في مفاصل الدولة المختلفة، بما في ذلك الجيش والأجهزة الأمنية.
وبعد سقوط نظام عمر البشير في عام 2019، كان الأمل معقودًا على بدء عملية تفكيك حقيقية لهذا الإرث السياسي داخل مؤسسات الدولة. غير أن التطورات التي تلت ذلك، خصوصًا بعد انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر، أعادت طرح السؤال القديم نفسه هل خرج الإسلاميون فعلًا من المؤسسة العسكرية، أم أنهم أعادوا ترتيب مواقعهم داخلها بطرق جديدة؟المشهد الراهن يشير إلى أن التيار الإسلامي لم يغادر ساحة التأثير بالكامل، بل عاد إلى الواجهة بخطاب أكثر صراحة وجرأة. فالتصريحات السياسية الحادة، وحملات التعبئة الإعلامية، وظهور مجموعات قت.الية ذات طابع أيديولوجي، كلها مؤشرات تثير الشكوك حول حدود العلاقة بين بعض هذه القوى والمؤسسة العسكرية.
وفي ظل هذه الوقائع، يبدو خطاب الإنكار وكأنه محاولة لتجاوز الإحراج السياسي أكثر منه توصيفًا دقيقًا لما يجري على الأرض.
فالمشكلة ليست في السؤال وينهم الإخوان المسلمين؟ بل في أن كثيرين يرون أنهم ليسوا بعيدين عن المشهد العسكري كما يُقال إن استمرار هذا الخطاب لا يخدم المؤسسة العسكرية نفسها، بل يضعها في دائرة الجدل السياسي ويؤثر في صورتها كجيش وطني يفترض أن يقف على مسافة واحدة من جميع التيارات السياسية والفكرية فالجيوش الوطنية لا تُبنى على الولاءات الأيديولوجية، ولا يمكن أن تتحول إلى مظلات لمشروعات سياسية أو دينية. وعندما يحدث ذلك، فإن النتيجة غالبًا ما تكون إطالة أمد الصراعات الداخلية وتعقيد فرص بناء دولة مستقرة لهذا فإن السؤال الحقيقي الذي ينتظره السودانيون اليوم ليس وينهم الإخوان المسلمين؟
بل سؤال أكثر وضوحًا وعمقًا هل المؤسسة العسكرية مستعدة فعلًا لطي صفحة التسييس الأيديولوجي التي لازمتها لعقود، أم أن هذا الإرث ما يزال يجد من يدافع عنه حتى وهو ينكر وجوده؟

Leave a Reply