التعليم في السودان (1989-2019): موازنة التوسع الكمي وتحديات “الأدلجة” والجودة

صحيفة الهدف

بقلم: ماجد الغوث

شكلت فترة الحكم العسكري التي امتدت لثلاثة عقود محطة تحول جذري في مسيرة التعليم السوداني. فقد تبنى النظام الذي صعد في عام 1989 استراتيجية تقوم على “تغيير بنية المجتمع” من بوابة التعليم، وهو ما خلق واقعاً مزدوجاً؛ توسعاً جغرافياً غير مسبوق في عدد المؤسسات، يقابله تراجع حاد في معايير الجودة واستقلالية المناهج.

1. سياسة “التأميم والتمكين”: صياغة العقل التعليمي

كان التعليم بالنسبة للنظام الحاكم أداة استراتيجية لضمان البقاء والاستمرارية. تجلى ذلك في:

• تعريب المناهج: تم تعريب المناهج الجامعية بالكامل، وهي خطوة كانت تهدف للسيادة الثقافية، لكنها واجهت تحديات كبيرة في توفير المراجع العلمية الحديثة وقدرة الخريجين على المنافسة عالمياً.

• الأدجلة والمناهج: تم دمج مادة “الثقافة الإسلامية” والتربية الوطنية بصبغة معينة في جميع المستويات التعليمية، بهدف تعزيز الولاء للنظام وصياغة نموذج محدد للمواطن.

2. ثورة التعليم العالي: الانفجار الكمي

شهدت تسعينيات القرن الماضي ما سُمي بـ “ثورة التعليم العالي”، حيث تم افتتاح جامعات في كل ولايات السودان تقريباً.

• الإيجابيات: أتاحت هذه السياسة فرص التعليم الجامعي لأبناء الأقاليم والمناطق الريفية الذين كان يصعب عليهم الوصول للخرطوم.

• السلبيات: هذا التوسع جاء على حساب البنية التحتية؛ حيث افتقرت العديد من هذه الجامعات للمختبرات، والمكتبات، والكوادر المؤهلة، مما حوّل التعليم في كثير من الأحيان إلى “منح شهادات” تفتقر للكفاءة المهنية المطلوبة.

3. التحديات الهيكلية: التعليم تحت ضغط الميزانيات الح.ربية

رغم شعارات التوسع، ظل التعليم ضحية لترتيب الأولويات السياسية والأمنية:

• تجفيف الدعم الحكومي: تم سحب الدعم تدريجياً عن السكن الجامعي والإعاشة (الداخليات)، وتم رفع يد الدولة عن مجانية التعليم الأساسي والثانوي، مما أثقل كاهل الأسر وزاد من الفوارق الطبقية.

• أثر النزاعات المسلحة: في مناطق دارفور، النيل الأزرق، وجنوب كردفان، تحولت المدارس إلى ضحايا مباشرين للصراع، حيث دُمرت البنى التحتية وفُقد جيل كامل من الطلاب الذين اضطروا للنزوح أو اللجوء.

4. جودة التعليم وهجرة الكوادر

أدت السياسات الإدارية المعتمدة على “الولاء قبل الكفاءة” (التمكين) إلى:

• تسييس الوظائف: تعرض العديد من الأكاديميين المتميزين للفصل أو التهميش لأسباب سياسية، مما أدى لبداية “الهجرة الكبرى” للعقول السودانية نحو دول الخليج والغرب.

• ضعف البحث العلمي: تراجعت الميزانيات المخصصة للبحث العلمي لتصل إلى أدنى مستوياتها، مما أثر على تصنيف السودان في الدوريات العلمية العالمية.

5. الآثار الممتدة: ماذا ورثنا؟

بعد عقود من هذا النظام، ورث السودان نظاماً تعليمياً يعاني من:

1. فجوة في المهارات: خريجون يحملون شهادات عليا لكنهم يفتقرون للمهارات التي يتطلبها سوق العمل الحديث.

2. ازدواجية المناهج: صراع بين التعليم الحكومي المؤدلج والتعليم الخاص الذي بدأ ينمو كبديل للأسر المقتدرة، مما خلق هوة ثقافية واجتماعية داخل الجيل الواحد.

3. انهيار المعايير: تراجع هيبة المعلم والمؤسسة التعليمية أمام الضغوط الاقتصادية والتدخلات السياسية.

خاتمة

إن تقييم فترة التعليم في عهد الحكم العسكري السابق يتطلب نظرة موضوعية؛ فبينما يُحسب لها إيصال التعليم لمناطق نائية، يُؤخذ عليها تدمير المؤسسية وتغليب الكم على الكيف. إن إصلاح هذا الإرث الثقيل في 2026 يتطلب شجاعة في مراجعة المناهج، وإعادة الاعتبار للكفاءة الأكاديمية بعيداً عن الانتماءات الحزبية، ووضع التعليم كأولوية في ميزانية الدولة وليس كملحق للسياسة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.