صلاح عوض الله النعمان
خرجنا من الخرطوم قسرًا، بعد تسعةٍ وثلاثين يومًا من اندلاع الحرب، متجهين إلى كوستي.. إلى بلدنا.
لكنني، حين وصلت، شعرتُ وكأنها ليست المدينة التي ولدت ونشأت فيها وأعرفها. بدت غريبة.. غريبة حدَّ الدهشة.
تجولتُ في شوارعها أتحسس الأمكنة الأليفة، أبحث في تفاصيلها عن شيءٍ يطمئنني. مررتُ بقهوة حامد، وبقهوة أبودقن أمام مشفى اليمامة. كنتُ أبحث عن الوجوه القديمة؛ عن الأصدقاء والصديقات. التقيتُ بعضهم مصادفة، وغاب آخرون في زحام الأيام.
زرتُ الجامعة.. استعدتُ سنوات الخدمة المدنية الثقيلة، وتذكرتُ الزملاء والزميلات. رأيتُ أصحابي السواقين، والعاملات الطيبات البشوشات النقيات. التقيتُ بأساتذةٍ ثوار، وآخرين امتطوا قطار الثورة وتجمع المهنيين، وقلةً من الكيزانٍ انحسر عن ملامحهم بريق السلطة ونفخة الزهو.
شيئًا فشيئًا بدأ إحساس الحرب يخفت قليلًا، وعادت الحياة إلى إيقاعٍ شبه طبيعي. بعدها انخرطنا في محاولة إعادة الروح إلى سينما كوستي الوطنية، تلك التي تأسست عام 1952م.. كأننا نعيد فتح نافذة للضوء وسط هذا الظلام المتراكم.

Leave a Reply