كلمة العدد: أديب ناصر.. شاعر الالتزام في زمن العتمة

صحيفة الهدف

في التجارب الشعرية الأصيلة، لا تولد الألقاب من فراغ؛ إنها خلاصة مسارٍ طويل، وتكثيفُ موقفٍ لم يتبدّل. لذلك التصقت بالشاعر الفلسطيني أديب ناصر ثلاثة ألقاب: (شاعر الزيتون) و(شاعر القادسية) و(شاعر البعث)، لا بوصفها نعوتًا احتفالية، بل مفاتيح لقراءة مشروعه الشعري، وتقاطعاته الوطنية والقومية.
هو شاعر الزيتون لأن فلسطين في قصيدته لم تكن شعارًا عابرًا، بل أرضًا حيّةً تنبض في اللغة. الزيتون عنده ليس شجرةً، إنها ذاكرةٌ لا تُقتلع، وجذورٌ تضرب عميقًا في التاريخ. في نصوصه تحضر كل ملامح الحياة اليومية بوصفها سردية صمود، فيغدو الشعر وثيقة انتماء، قبل أن يكون صناعة جمالية.
وهو شاعر القادسية لأن انخراطه في المسار القومي العربي إبّان التحوّلات الكبرى لم يكن انفعالًا عابرًا، بل تعبيرًا عن وعيٍ مبكّر آمن بوحدة المصير. كتب قصائد احتفت بلحظةٍ تاريخية رآها دفاعًا عن الأمة، فارتبط اسمه بخطابٍ جسور، لا يكتبه إلا الشجعان الذين يعلمون أن الكلمة موقف، وأن القصيدة ساحة التزام.
أما تسميته بشاعر البعث فهي إشارة عظيمة إلى خلفيته الفكرية القومية، حين تماهت لغته مع شعارات الوحدة والحرية، واتخذ من الشعر منبرًا لترسيخ الإيمان بالمبدأ. انتماء لم يُقيد تجربته، بل ظلّت فلسطين والأمة والهوية مرتكزها الأعمق، والنبع الذي تستمد منه حرارتها وصدقها.
أديب ناصر الذي وُلد في فلسطين في النصف الأول من القرن العشرين، وعاش تجربة اللجوء وما رافقها من تحولات عاصفة. عمل في التعليم والصحافة الثقافية، وشارك في نشاطات أدبية عربية، وأصدر دواوين عبّرت عن التزامه الوطني والقومي. بأسلوب يتسم بنبرة خطابية مشحونة بالعاطفة، وإيقاعٍ يلامس الوجدان، مؤمنًا بأن الشعر صوت الناس، لا همس النخب.
(الملف الثقافي) لصحيفة (الهدف) لا يرثي في هذه المساحة شاعرًا عابرًا، بل يرفع القبعات لتجربةً مثّلت نموذجًا للالتزام الذي آمن بالكلمة عهدًا أخلاقيًا لا يُنكث. حين اشتدت العتمة، ظلّ صوته يذكّر بأن الشعر ليس ترفًا، إنما موقف حياة؛ وأن الزيتون، مهما طال عليه الليل، يبقى شاهدًا على أن الجذور أعمق من الريح، وأن أمةً تحمل كل هذا القدر من العطاء لا بدّ أن تنهض..

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.