سطوة أم قيردون

صحيفة الهدف

د.الشيخ فرح

نملة صغيرة في بداية حياتها العملية، بلغت لتوها عمر التكليف بالعمل في مجتمع النمل الذي يُقدّر العمل ويكره العطالة والاتكالية، ويؤمن بالعمل الدؤوب والجِد والنشاط لضمان التمتع بكل ما في جحر النمل من خيرات، خصوصًا وقت الجفاف والشتاء القارس.
وضعوا لها على كتفيها شارة عاملة مستجدة، ورغم صغر سنها، إلا أن طموحها لا حد له، فكانت تطمع أن تعمل مع الجنود والحراس الذين يجدون عنايةً خاصة واهتمامًا كبيرًا من كافة سكان الجحر.
وتذكر جليًا يوم أن كانت بجوار حائط الطين حين رأت الجنود وهم يمشون بخطواتٍ واسعة، وفي صف طويل نحو جحر النمل بعد عملية تمشيط حول الحجر الكبير إثر وصول أخبار عاجلة عن هجومٍ كبير للجنادب.
ظلت تبحث منذ الصباح الباكر عن ما تعود به إلى الجحر، لكن كل محاولاتها باءت بالفشل الذريع. لم تيأس، وتولت إلى الظل لترتاح قليلًا قبل أن تبدأ البحث مجددًا.
تذكرت يوم أمس حين عادت برِجل جرادة نافقة لايداعها في مخزن الجحر، كيف ضحك عليها المخزنجية وأشاروا إلى بقية الجرادة التي أحضرها ثلاثة من عتاولة النمل، وكانت جرادة كاملة عدا رِجلها اليسرى التي وقعت منهم أثناء النقل. وكانت الرِجل التي أحضرتها النملة الصغيرة للتو هي رِجل الجرادة الناقصة.
أصرّت أن تحضر اليوم ما يجعل نمل الجحر، بما فيهم الملكة والوزراء وعمال المخزن، فخورين بها.
انتصف النهار، والنملة في سعيها الدؤوب بين الأوراق الساقطة وتلّات الرمل، لكنها لم تجد إلا فتات خبز وبقايا رأس يعسوب لم تلتفت إليهما. مسحت عن رأسها حبات العرق ووضعت يدها على بطنها الضامر، فهي منذ الصباح الباكر لم تتناول شيئًا.
تحرّكت من مكانها بعد أن ارتاحت، وبدأت في البحث الدؤوب. ومن حسن حظها، كان هناك بعض العمال يفرغون جوالات من القمح من سيارة كبيرة. سقطت بعض حبات القمح على الأرض، ولكن أرجل العمال الكبيرة كانت تدب الأرض بقوة من تأثير أوزانهم وحملهم الثقيل. خافت النملة من أن يحطمها العمال دون أن يشعروا، فقررت الانتظار حتى يغادروا المكان.
رفس أحدهم الأرض بعد أن كاد أن يسقط من حمله الثقيل، فتناثر التراب حتى وصل إليها وعفّر جسمها، تضايقت قليلًا، لكنها ابتسمت حين رأت حبة من القمح الأصفر الذهبي أمامها مباشرة وسط التراب. قبضت عليها بفكيها كما تدربت، واستدارت مسرورة في اتجاه الجحر.
قطعت المسافة حتى التلة التي يقع تحتها الجحر في همة ونشاط، وهي تتخيل استحسان المخزنجية وهم يرون قمحة كاملة وجديدة. اجتهدت في الصعود، ولكنها تدحرجت عند نزولها من التلة، فأحكمت قبضة فكيها على الحبة حتى لا تسقط، وهي تتدحرج هابطة.
وصلت بسلام إلى أسفل التلة، فواصلت طريقها إلى الجحر، ولكن المفاجأة كانت في انتظارها قبل وصولها للحجر، وهو ذلك الطائر الذي يتأرجح في حيوية ويرقص بذيله وجسمه وينظر ناحيتها مباشرة.
قالت النملة في سرها: أم قيردون الرباطية، لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا ما كان ينقصني اليوم.
لم يكن لها القدرة على الصياح للجنود وفكيها ممسكة بحبة القمح، كما لا يمكن أن تغني لها أم قيردون لتشغلها عنها. بدأت في قراءة كل الأدعية التي حفظتها من جدتها، ثم قرأت: (وجعلنا من بين أيديهم سدًا ومن خلفهم سدًا فاغشيناهم وهم لا يبصرون).
وقفت أم قيردون بين النملة والجحر في انتظار غنيمتها في الأمتار الأخيرة. نقرت أم قيردون حبة القمح بمنقارها الحاد، فغطست النملة في الرمل ولم تترك لها الحبة، ونقرت للمرة الثانية، ولكن النملة ظلت مستمسكة بالحبة. في النقرة الثالثة تراخى فكيّها عن الحبة، فنقرت أم قيردون مرة أخرى في تحدٍ قاسٍ وحررت حبة القمح من فكيّ النملة الصغيرة، التي غطست في الرمل لتحمي نفسها من بطش منقارها الحاد.
ظلت النملة ساكنة في الرمل حتى تيقّنت أن أم قيردون قد طارت بغنيمتها. نفضت عن جسدها التراب ونظرت إلى رجلها المصابة، ثم توجهت ببطء نحو جحر النمل لتستجم حتى صباح الغد، وهي خائفة من نظرات المخزنجية الصارمة والعاملات الشامتات، فقد عادت بخفي حنين.
ما أن دخلت الجحر حتى وجدت صفين من عساكر النمل في مدخل الجحر. ظهرت الملكة في نهاية صف العسكر، واقتربت منها ونزعت بطاقة عاملة مستجدة من كتفها. بكت النملة وهي تسترجع شريط سوء حظها ومعركتها الخاسرة مع أم قيردون، لكن الملكة نظرت إليها بإعجاب ووضعت لها بطاقة عسكرية على كتفها، وصاحت للجنود:
تحية لها لشجاعتها في مواجهة أم قيردون وإبعادها عن الجحر.
هذه النملة الصغيرة قاومت أم قيردون بمفردها وأبعدتها عن الحجر، فمنذ الصباح لم يستطع كل النمل الدخول أو الخروج من الجحر بما في ذلك العساكر.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.