قلم،،ماجد الغوث..
يشكل البعد الوطني في شخصية الاستاذ علي الريح السنهوري اللبنة الأولى في بنائه النضالي، فانطلاقه من واقع السودان بخصوصيته العربية والافريقية، وتعقيداته الاجتماعية والسياسية والثقافية، صقل فيه قدرة فريدة على التعامل مع التحديات المحلية دون انفصال عن عمقها العربي…
فالسودان، بموقعه كبلدٍ عربيٍّ أفريقي، وبتاريخه الحافل بالتحولات، شكل مختبراً نضالياً حقيقياً للسنهوري. فقد عايش الرجل قضايا السودان المصيرية،،، (الوحدة والانفصال)، قضايا الديمقراطية والتعددية والاستبداد ، التنمية والتخلف والعدالة، الحرب والسلام والتعايش السلمي، النضال السلمي الديمقراطي وحمل السلاح، العلاقة العضوية بين الوطني والقومي، والتدخلات الإقليمية والدولية. هذه التجربة النادرة،،، جعلت منه مدرسة في فهم تعقيدات الواقع،و اكسبته قدرة على الواقعية السياسية دون تفريط بالثوابت.
او المبادئي او الأخلاق …
لقد أثبت السنهوري، من خلال موقعه كأمين سر قطر السودان، لاكثر من دورة انتخابية، قدرته العالية على الحفاظ على تماسك التنظيم في أصعب الظروف، وربط هموم المواطن السوداني اليومية بمشروع النهضة العربية والعدالة الاجتماعية. وهذا يؤكد حقيقة مهمة،،هي أن النضال القُطري الأصيل هو المدخل الحقيقي للانتماء القومي، وليس بديلاً عنه..
فاذا كان البعد القومي يمثل الجذور، فإن البعد القطري يمثل الأغصان الممتدة والثمار في فضاء الأمة العربية.
فالسنهوري لم يكن أبداً أسير الحدود السياسية الضيقة، بل رأى في انتمائه السوداني جسراً للانطلاق نحو آفاق قومية وانسانية أوسع وأكبر…
لقد ظلت عضوية السنهوري الممتدة في القيادة القومية لحزب البعث شاهداً علي قدرته
في المشاركة الفاعلة في صناعة القرار القومي على مدى عقود. فقد أسهم الرجل في بلورة رؤية الحزب تجاه القضايا المصيرية وكان فعلا مقاوما ضد تمرير المشاريع تفتيت الامة ، واجتثاث البعث وظل مع رفاقه حائط صد للتدخلات الخارجية والتبعية …
ان ما يميز رؤية السنهوري القومية أنها تنطلق من إدراك عميق لواقع التنوع داخل الأمة العربية، فقوميته ليست قوميةً شعاراتيةً جوفاء، بل هي قوميةٌ تستلهم قوتها وانسانيتها وديمقراطيتا وتحرريتها من خصوصيات الأقطار وتنوعها. وهو بهذا يجسد النموذج الأمثل للبعثي الحقيقي( قومي الرؤية، عروبي الانتماء، إنساني التوجه.)
يظهر ذلك في شخصيته والتي تتجلى عبرها أعلى مراتب الجدلية بين القُطري والقومي، وبين القومي والانساني
لقد استطاع السنهوري تحويل خصوصية التجربة السودانية إلى رصيد قومي، مستفيداً من موقع السودان كحلقة وصل بين المشرق والمغرب وبين العالم العربي وأفريقيـا……
لقد ادرك السنهوري مبكرا أن مشكلات السودان، ( التخلف والتبعية والتجزئة واستدامة الديمقراطية والعدالة) لا يمكن حلها بمعزل عن مشروع نهضوي قومي شامل، لأن التحديات التي تواجه السودان هي نفسها التي تواجه الأمة.فعمل علي الاستفادة من خبرته
الطويلة بعد أن ادرك ان الحفاظ على الوحدة القومية للحزب تتطلب مرونة في التعامل مع الظروف القُطرية، دون المساس بالثوابت الفكرية والتنظيمية والسياسيةاو التنازل عنها، وهو ما اكد علية بيان القيادة القومية المنتخبة للمؤتمر القومي الثالث عشر في يناير 2026
في زمن تعمل فيه قوى متعددة على تفتيت الأقطار العربية أولاً ثم تشتيت ما تبقى من وعي قومي،
فالسنهوري هو نموذجاً للمقاومة عبر التمسك بالثنائية الجدلية: الدفاع عن وحدة السودان (قطرياً) والدفاع عن وحدة الأمة (قومياً) في آن واحد.
ختاما….
يظل الاستاذ/علي الريح السنهوري نموذجاً فريداً للقائد البعثي القادر على الجمع بين هموم الوطن الصغير (القطر) وطموحات الوطن الكبير (الأمة) والانسانية الارحب، دون أن يلغي أحد الأبعاد الآخر، بل يجعلهما في حالة تفاعل عضوي خلاق.
إن اختياره أميناً عاماً لحزب البعث العربي الاشتراكي في المؤتمر القومي الثالث عشر، يحمل رسالة واضحة لقوي النضال التحرري و للعالم مفادها العروبة الحقيقية لا تلغي الخصوصيات القُطرية، بل تحتضنها وتثريها، وأن الانطلاق من العمق الوطني هو السبيل الأقرب لتحقيق الوحدة القومية المنشودة والعدالة الاجتماعية والتحرر ونصرة قواها اينما كانت .
فالسنهوري، القادم من أعماق السودان، يحمل في وجدانه قضايا أمته كلها: قضية فلسطين والأحواز، ووحدة العراق وسوريا ولبنان وكل شبر عربي، وايقاف الحروب ومواجهة التوسعية والعدوان. وهو بهذا يؤكد أن الانتماء القطري الصادق لا يتعارض مع الانتماء القومي الأصيل، بل يشكل دعامته الأساسية والعكس صحيح.
أمام السنهوري اليوم مهمة تاريخية تتمثل في ترجمة رؤيته القُطرية-القومية إلى برنامج عمل واضح، وإعادة بناء الحزب على ضوء مقررات المؤتمر القومي الثالث عشر علي أسس متينة تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين الثوابت والمتغيرات.بوعي استباقي، كما اشار بيان المؤتمر، ولعل ما يبعث على التفاؤل، أنه ليس قائداً نظرياً فقط، بل هو مناضل ثوري دفع ثمناً باهظاً لقناعاته وممارسة دوره القيادي والنضالي ، وخبر في معمعة النضال ما لا يخبره إلا من عايش المحن وظل صامداً واكد تبا للمستحيل.
في النهاية، يبقى الاستاذ/ علي الريح السنهوري تلك الشخصية التي تستحق أن توصف بأنها: سودانية الهوى، عربية الانتماء، إنسانية الرؤية، بعثية المبدأ والنهج. وهذه التركيبة الفريدة هي وحدها القادرة على قيادة الحزب في مرحلة دقيقة تحتاج إلى من يفهم خصوصية الأقطار وفي الوقت نفسه لا يفرط بحلم الوحدة..
وما زالت الأمة تنتظر… وما زال النضال مستمراً… وعلى درب العروبة نسير..

Leave a Reply