لو انه حزبا عاديا والمؤتمر ليس بذي فائدة والاسم غير علي الريح السنهوري لما انتفضت اجساد مقعية ولا علت اصوات مخفية ولا تكأكأت اقلام “مكرية”.
✍🏽 خالد ضياء الدين
ولان الاستاذ علي الريح السنهوري لم يكن عضوا عابرا في حزب البعث تجده منذ انتسابه شعلة من العطاء، عرفته اوكار الطباعة والاجتماعات السرية، لاحقته اعين العسس وحاولت اجهزة الامن ايام نميري والبشير تحجيم فعاليته، وتعرض للاعتقال والمطاردة وقدم لمحاكمة عسكرية قضت بحبسه 5 سنوات مع بعض رفاقه في العام 1971.
وشهدت مدينة الابيض والخرطوم وكثير من ولايات السودان صولاته وجولاته، بينما سجلت بغداد العروبة قبل واثناء وبعد احتلال العراق لمحات مشرفة من نضاله مع رفاقه الاوفياء في وقت عصيب اختاروا فيه المشي على نصل النضال الحاد في مواجهة اعتى استخبارات وجيوش العالم، واقسى ضروب الخيانة والعمالة والاستهداف، تقدموا عندما كانت رؤوس البعثيين واجسادهم تقطع وتلقى في الشوارع، دخلوا معركة اثر اخرى حتى انتظمت الصفوف ورفع شعار البعث في اجتماعاته وعاد التنظيم اقوى مما سبق.
لم يكن انتخابه امينا عاما لحزب البعث العربي الاشتراكي مسالة عادية في هذا الوقت الاستثنائي الذي يعاني فيه الحزب كجزء من الامة استهدافا يريد كسر شوكته ولكن طاشت سهام الغدر على صخرة صمود الرفاق الميامين، ولان البعث احد عناوينها البارزة تقرر اجتثاثه من خلال شيطنة افكاره ورموزه.
واما بعد، يا يامن كتبت وقلت ان انتخاب المناضل علي الريح السنهوري امينا عاما لحزب البعث “العابر للحدود” وهو سوداني يؤشر لحالة ياس لاشعوري من جدوى هذه المؤسسة وفاعليتها وتاثيرها.
اعتقد ان الياس يسكن مخيلة القانطين، والاحساس بالدونية وعدم الثقة بالنفس وفي وابناء شعبنا هو الذي اسقط على بعضهم فكتبوا ما كتبوا ولم تعطو انفسهم فرصة الاستمتاع بمشاهدة السودانيين يتبوؤون مواقع سياسية واجتماعية، فنية وثقافية في الوطن العربي وافريقيا بل والعالم، وهذا استحقاق طبيعي، فالسودان والسودانيين كلهم سياسيين وفيهم من العلماء والخبرات مافيهم. اصبحوا قادة سياسيين في احزاب في امريكا واوروبا واعضاء في برلماناتها يوجهون ويحاسبون الحكومات ويترشحون ويفوز بعضهم بمناصب سياسية رفيعة، مثل عبد الرحيم علي يعقوب، وهو محام من دارفور، فاز بمنصب نائب برلماني في مجلس بلدية انسي الفرنسية، والاستاذة مندي ابوشوك، المرشحة لرئاسة الحكومة في زيورخ، أكبر مدينة في سويسرا وعاصمتها الاقتصادية، ولم يتحدث احد ويشكك في الدول التي اختارتهم والشعوب التي انتخبتهم مثلما انبرت اقلام مدادها الخزلان، تسارع في التشكيك في انتخاب الاستاذ علي الريح السنهوري الذي اختاره رفاقه في الاقطار العربية امينا عاما لحزبهم وحزب الامة. “احرام على بلابله الدوح حلال للطير من كل جنس”؟
الطيب صالح الذي انتزع بعمامته البيضاء وصوته العميق المتفرد مثل سمرته، مكانة رفيعة جعلته يتقدم كثير من اخوته الروائيين العرب والافارقة، حتى انه ثقب سقف العالمية وتربع وهو يرى مصطفاه يغزو الشمال، وتترجم رواية دومة ود حامد للعديد من اللغات.
لذلك الباحث عن الحقيقة من ابناء شعبنا عليه ان يري لاعبي كرة قدم سودانيين اسسوا فرقا عربية وطوروا من اداء لاعبيها، والامثلة كثيرة في المملكة العربية السعودية والخليج ومصر، وهناك في مجال الاعلام في الفضائيات العربية نماذج مشرفة لسودانيين اصبحوا رموزا اعلامية عربية تحرص كل الفضائيات على استدامة بقائهم معها، وحتى انها تستضيف سياسيين ومحللين وعسكريين سودانيين في قضايا خاصة بالسودان والوطن العربي وافريقيا فهل هذا التميز السوداني في المحافل العربية خاصة الخليج ومصر والسعودية خير دليل على فقدان تلك الاقطار البوصلة او انها في حالة ياس اعلامي؟
ولا ننسى ايضا فوز سودانيين بجوائز عربية توج فيها شعراء سودانيون على كل شعراء العرب مثل شريهان الطيب في مهرجان جواهريون وروضة الحاج الفائزة بلقب وجائزة شاعر عكاظ، التي لمعت مع غيرها من الشعراء في فعاليات مهرجان المربد الذي ارتادته رموز الشعر والادب السودانية، الهادي ادم ومحي الدين فارس، مصطفى سند وتاج السر حسن، الهادي ادم والفيتوري الذي كتب للعراق ايام الحصار: (لم يتركوا لك ماتقول) وسمى اخر دواوينه العراق، وهناك محمد نجيب وبابكر الوسيلة. كذلك عمار حسن سعد الدين الذي فاز بمسابقة شاعر شباب العرب 2023 وغيرهم كثر. وهنا نحتفي بهم كما نحتفي بفوز منافسين عرب نجحوا لان النجاح عندنا واحد، والمنافسة بغرض الاجتهاد والتطور وليس التنافس السلبي.
ثم اعيد النظر ليشاهد كل من فقد البوصلة، ثقة العرب في كفاءة السودانيين امثال كمال حمزة ابو المعالي اول مدير لبلدية دبي ومهندس تطويرها، ايضا علي شمو من مؤسسي اعلام الامارات، وبروفسور عبدالله الطيب الذي علم العرب الفصحى ودرسها في جامعات عربية وقدم المحاضرات عن تاريخ العرب وتفسير القران ومعلقات الجاهلية وشرح معاني مفرداتها العصية.
اما في مجال الاعلام فانت تشاهدين كل يوم في الفضائيات العربية سودانيين وسودانيات قيادات ونجوما يقدمون ويتقدمون بخطى واثقة لم يشعروا انهم تقدموا لان هذه المؤسسات ضعيفة وانتهى تاثيرها كما زعمت في تقدير انتخاب الاستاذ السنهوري، انما تقوت بهم هذه المواقع والفضائيات، لان المسؤولية تعطى لمن يستحقها كفاءة واقتدار.
السوداني يا عزيزتي ليس مهيض الجناح والسودان لا يلجا اليه العرب في حالة زهدهم او ازمتهم او خلافهم ودون ذلك لا يعترف له الا في حال ال(قنع).
اقول لك ان اللجوء للسودان والسوداني عربيا ليس طارئا فعلى مر التاريخ كان السودان سندا قويا لامته العربية ولافريقيا والامر لا يحتاج منا الى ادلة وبراهين غير ان هذا الشعور الغريب الذي حاولت اسقاطه في مقالك نابع من حالة خاصة، فقد حكم مصر رئيسان نصفهما سوداني والاخر مصري، “محمد نجيب ومحمد انور السادات” كذلك الحديث عن اصل الفنان محمد رمضان من اب سوداني وام مصرية لم يمنعه من تصدر شباك الافلام والمسلسلات والغناء، وهناك النجم السوداني الذي احترف التمثيل في مصر ابراهيم خان، فكان من ابطال افلامها ومسلسلاتها، ولو كان لاحدهم مثل هذه الروح الانهزامية لما تقدم احدهم. واما بالعودة للادعاء بمعرفة حزب البعث من خلال الاطلاع على ما وصفتيه “بالنقد المنهجي” للاستاذين جادين والصاوي وحديث سطحي عن الخلاف وتكوين حزب اخر اسمه البعث السوداني الذي ضم عددا من المتكتلين على الحزب الاصل، والذي قلت بعظمة لسانك قد ابتلعه بالكامل جهاز الامن التابع لصلاح قوش، هنا يكون الرد على ما سبق من حديثك، كيف تثقين في اطروحات نقدية(منهجية) لقيادة تنظيم قلت ان جهاز الامن قد ابتلعه بالكامل؟
واما انتقادك لتجربة البعث في العراق وسوريا اظنك لم تقرئي عن تجربة العراق ولم تستخيري قبل الكتابة عنها.
وحديثك عن اختيار حبل الامبريالية كحل افضل من الموت في بئر البعث مردود عليه بمقارعة البعث للامبريالية ورفضه التمسك بحبل نجاتها الوهمي وقبوله ان يتحول لحبل مشنقة لقيادته، وهم يهتفون بحياة الشعب والامة، وانت وملايين غيرك شهدوا ذلك الصمود والتفاؤل الذي لم يتسلل اليه اليأس حتى في لحظة انتظار تنفيذ الاعدام،
واما تجربة الردة على الحزب في سوريا بقيادة صلاح جديد وحافظ اسد فاول من انتقدها وكتب فيها مجلدات وقدم فيها شهداء ومعتقلين في سجون الاسد لاكثر من 30 عاما قضوها في زنازين النظام هم البعثيون بقيادة ميشيل عفلق والبيطار ومنهم الشهيد محمد سليمان الخليفة عبدالله التعايشي. فكيف تطلبين وحدة النقيضين، كيف تبدين كمن يطلب وصالا بين السارق والمسروق، القاتل والضحية؟!
واما حديثك عن انتخاب الاستاذ السنهوري اعود واقول ان الاستاذ ليس حالة طارئة في حزب البعث ولا في القيادة القومية فقد سبقه فيها وبتاثير كبير جدا في العام 1968 الشهيد محمد سليمان الخليفة عبدالله التعايشي الذي انتخبه المؤتمر القومي في بيروت عضوا في القيادة القومية حتى استشهاده في حادثة الطائرة الشهيرة في عام 1971.
كذلك انتخاب الاستاذ الراحل بدر الدين مدثر عام 1977 الذي جدد انتخابه في المؤتمرات اللاحقة. وفي المؤتمر ال 11 رشح الاستاذ السنهوري للقيادة القومية من قبل الشهيد صدام حسين ليصبحوا 2 من اعضاء القيادة القومية من قطر السودان حتى وفاة الاستاذ “مدثر”، وبعد احتلال العراق واعدام الشهيد صدام انتقلت مهام الامين العام المساعد للرفيق عزت الدوري وانتخبت القيادة الاستاذ السنهوري نائبا له، ثم بعد وفاة الدوري استلم السنهوري قيادة الحزب كامين عام مساعد الى ان تم انتخابه في المؤتمر القومي ال 13 في بيروت امينا عاما، وهو انتخاب مشهود ومحضور في وقت حرج تمر به الامة العربية وحزبها القائد، هي مرحلة بناء ونهوض قومي وتنظيمي لحزب الثورة العربية الذي يواجه حملة غير مسبوقة من محاولة الاجتثاث والتشويه.
ان اختيار قيادات الحزب على مستوى الوطن العربي لقيادة بمواصفات على قدر التحدي والمسؤولية وفي مقدمتهم من وثقوا في امكانياته عن تجربة ودراية وفحص وتمحيص لكنانة البعث فوجدوا اقواها من بين الاقوياء ليختاروه ومعه قيادة قومية لهذه المرحلة، وهو تكليف وليس تشريف، دفع ثمنه الرفاق منذ ردة شباط فبراير 1966 مرورا باغتيال قيادة الحزب على راسهم الشهيد صدام حسين وحتى تاريخ اليوم لا تزال فوهات البنادق وحبال المشانق تتدلى والجلاد ينتظر قدوم البعثيين.
اما حديثك عن تجربة العراق وتقطيع الايدي والالسن اقول لك انها دعاية الذين اطلقوها ليبرروا احتلالهم للعراق وفرية الذين ارادوا القهقرة بالعراق لمعارك كربلاء ومقتل الحسين والاساءة الى الصحابة وامهات المسلمين وتحويله لحقل طائفي واحتياطي للرجعية المرتبطة بايران.
واما استشهادك بقصيدة احمد مطر مردود عليها بمئات القصائد التي مجدت البعث وتجربته الانسانية في الحكم، وهناك عشرات الشعراء العراقيين العظام كتبوا وتغنوا لتجربة البعث، كان يمكن ان تذكريهم، فهم كثر ومنهم على سبيل المثال لا الحصر عبد الرزاق عبد الواحد الذي ظل حتى بعد رحيل صدام وفيا يكتب فيه الرثاء مثلما كتب فيه المدح حبا وقناعة وليس تمسحا وازدلافا، وشفيق الكمالي ذلك الشاعر والسياسي العراقي العلم، وهناك محسن الخياط واعداد لا تحصى من الشعراء الشعبيين الذين كتبوا الاناشيد في مدح تجربة حكم البعثيين امثال مرهون الصفار ومحمد المحاويلي ومحمد حسن الدكسن، وهناك غيرهم المئات من الشعراء والكتاب والفنانين والاعلاميين العرب من مجد العراق وحكم العراق ايام حزب البعث وماتزال اقلامهم رطبة بحب البعث والعراق.
هل تعلمين لماذا وانت تتحدثين عن المالات البائسة لحزب البعث اراك لا تنظرين بعين الباحث عن الحقيقة بل بفؤاد خانته الحصافة؟
ولاني اظنك تحتاجين ان تعرفي على الاقل ما يعينك في نقد تجربة حكم البعثيين.
ان اليونيسكو اعلنت اشادتها بالعراق في عام 1990 لخلوه من الامية، وفي النظام الصحي تم تطوير بنية تحتية مكنت الدولة من رعاية صحية مجانية شملت 97% من الحضر و71% من الريف. وهذه الارقام ليست من صنع البعثيين ولا من خيالي وهي موجودة يمكنك الرجوع اليها، اما في الهندسة والعمارة دونك القصور الرئاسية وهي اكثر من 136 بناية بمرافقها الملحقة بها من ابرزها قصر الفاو وقصر السجود وقصر الرضوانية.
وهناك ما يفوق ال 165 قصرا على ساحل نهر دجلة كلها بنيت على طراز يستلهم التراث والمعاصرة كدليل على استمرار حضارة العراق من بابل نبوخذ نصر الى صدام حسين ومن يجئ بعده معمرا لا مدمرا للحضارات والثقافات، وبالمناسبة لا صدام حسين ولا اسرته ولا اي قائد بعثي يملك فيها غرفة باسمه، وقد رحل صدام حسين وليس له في العراق غير ذكرى طيبة يلهج بها العراقيون الذين يهتفون باسمه حتى اليوم في الاسواق ومدرجات كرة القدم، والزائر للعراق تدهشه المساجد الفخمة مثل جامع الرحمن في بغداد والانصبة الضخمة والجسور والطرق والبنية التحتية التي قلت انها نتاج الحملة الايمانية التي مزقت علمانية البعث، وهذا موضوع يطول شرحه، فقط عليك ان تفهمي ان حزب البعث له موقف من العلمانية موجود في ادبياته منذ الخمسينات وان فكر البعث كتب اثناء النضال وليس قبله، ويكفي تجربة حكم البعث في العراق انه حوله من بلد فقير الى دولة اغتراب استفاد منها ملايين العرب من عمال وموظفين وطلبة، هذا غير الدعم اللامحدود للعرب اقتصاديا وعسكريا فقد خاض جيشه كل معارك الامة خارج وداخل حدوده باعتبارها حدود واحدة في ارض واحدة يؤمن البعثيون بضرورة وحدتها وحرية شعبها.
كذلك لا يمكن المرور على تجربة بناء الجيش العراقي في عهد البعث كواحد من اكبر واقوى الجيوش في الشرق الاوسط.
واما الاقتصاد والتنمية فهي تجربة شهد لها الاعداء قبل الاصدقاء، كيف وانت صحفية لم تقع عليها عيناك (وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا).
واما اذا كانت هناك تجربة انجاز واحدة يفخر بها البعث في تجربة حكم العراق فهي البطاقة التموينية حيث تقدم الحكومة للمواطن كل السلع الاساسية بسعر رمزي حيث تقوم الحكومة بدعم هذه السلع لتقدم شبه مجانية وهو نظام غذائي شامل اعتمدت عليه اكثر من 90% من العائلات العراقية واستمر رغم الضغوطات والحصار الاقتصادي.
واما العلم والعلماء فقد شهد العراق في عهد البعث اهتماما كبيرا بالعلم والعلماء خاصة في مجالات التصنيع العسكري والطاقة الذرية، وهناك تجربة عظيمة في مجانية التعليم من الابتدائي حتى الجامعة والدراسات فوق الجامعية استفاد منها عشرات الالاف من الطلبة العرب الذين درسوا وسكنوا وتمت كسوتهم وتذاكر سفرهم وعودتهم على حساب الحكومة العراقية بقيادة حزب البعث علما بان فيهم كثر غير بعثيين بل وفيهم معارضون للحزب ومنتمون لاحزاب تناهض البعث في اقطارهم وحتى داخل العراق.
كذلك مجانية العلاج وتطور الطب مع بروز اطباء وعلماء يشار اليهم بالبنان.
لاجل ذلك كان لابد من وقف هذه التجربة التنموية الشاملك والمتوازنة مع استقلاليتها الفكرية والسياسية التي كانت الدافع الرئيسي وراء العدوان والحصار وصولا للغزو والاحتلال.
كان على احداهن ان تسال وتبحث وتتاكد بدلا من الاستدلال بحديث من ترك الحزب مغاضبا، ثم عاداه وتنكر لتاريخه، ولقد علمت اثناء بحثي عن تفسير لهذا الموقف، ومن اين حصلت على المعلومات المغلوطة فتذكرت قول احد الشيوعيين ايام ازمة حزبهم بعد 1970 وانقسامه الراسي بين الولاء للتنظيم او الانحياز لحكم نميري عندما سال زميله عن موقف القيادات النسوية في الحزب من الازمة التنظيمية، فكان رده “شوف رجالهم وين بتعرف موقفن”.
واعود مرة اخرى للحديث السالب عن انتخاب الاستاذ السنهوري “السوداني” وزعم وجود اصدقاء “بعثيين” واظنها تقصد “متساقطين” من مسيرة البعثيين، فهناك فرق كبير بينهم وبين البعثيين منتظمين وغير منظمين، فمن تساقط وتنكر للفكر وعادى التنظيم لا يمكن وصفه بالبعثي. هذا غير الذي غادر محتفظا بعلاقاته وقناعاته.
وحتى اكون منصفا وصادقا لا يسعني الا القول انني تفاجات من موقف غير البعثيين الذين اصابتهم “انتكاريا” وهم يرون البعث رتب وهيكل صفوفه بعد معركة دامية قاسية، بلا اخلاق من الخصم، وبلا حدود للفجور، استمرت في صفحتها الثانية من العام 1980 حتى 2026 وستستمر باشكال مختلفة ومتجددة، والبعث لها بعون الله والتفاف جماهير الامة، هم يعلمون ان المرحلة القادمة هي التقدم للامام نهوضا فكريا وسياسيا وتننظيميا، فالمهر العربي صهل، والسيف جلجل، والفكر تخلل مسام الجيل الجديد من فتية البعث، لذلك يسرعون في معاداة نتائج ومخرجات المؤتمر القومي ال13 ولو انه لم يقم ولم ينتخب لكان الامر عندهم “سمن على عسل” واما اختزال مؤتمر بحجم ماحدث في انتخاب سوداني في مؤسسة حزبية قومية عربية وبث الاحساس بالدونية انما هو جزء من تلك الحملة التي اشرت اليها سابقا، حملة لا تستند لمعلومة ولا منطق. اريد منها الهاء البعثيين وتغيير الموضوع.
لقد مارس الحزب الديمقراطية وانتخب قيادات في كل مستويات التنظيم وصولا لاعلى الهرم القيادي.. قدمت تقارير وبحوث، خضعت للنقاش وتم تلخيصها في بيان القيادة المنتخبة، الذي حظي باعلى تفاعل جماهيري وسياسي، لم تحد من انتشاره افتراءات هنا واكاذيب هناك، معلوم من يصدرها ويروج لها.
تحمل البعث المسؤولية التاريخية انطلاقا من حقيقة الامة وليس من واقعها لذلك لن تنتقل اليه جرثومة الخنوع والخضوع والانهزامية لان الامة في حقيقتها وثابة ثائرة ومتفاعلة مع محيطها والعالم لانها ببساطة امة رسالة، ولكي يعلم من فاته التعلم ان السودانيين اصحاب “لحم وعظم.. جلد وراس” قدموا مع غيرهم من ابناء الامة الشهداء في معاركها التحررية في فلسطين والعراق ومصر والسودان وغيرها، منطلقين من شعور صادق بالانتماء لامتهم وشعبهم وحزبهم، انتماء حقيقي جعلهم يضحون بحياتهم مقابل انعتاق الامة من الاستعمار والاستغلال. وهذا لا يمنعهم من تقديم نفس التضحيات من اجل انعتاق افريقيا واسناد احرار العالم ووضع ذلك ضمن اولويات نضالهم اليومي والاستراتيجي، فامة الرسالة الخالدة حاضرة في كل مكان ينتخي فيه مظلوم اصحاب النخوة.
لذلك التشكيك في عروبة السودان وانتماءه القومي منذ نصرة فلسطين في 1948، مقصود به اضعاف السودان وتفتيته لان العروبة السودانية المفترى عليها هي حجر الزاوية للوحدة الوطنية السودانية، وماكان للجنوب ان ينفصل الا بعد احتلال العراق ومارافقه من اختلال في ميزان الامن القومي، وماحدث للامة بعد الاحتلال خير دليل على ذلك.
واخيرا، الهوية الوطنية لاي شعب لاتخضع لتقلب المزاج والمواقف او الحالة النفسية او الذهنية التي تعتري اي كاتب او متحدث، واتمنى من كل كاتب وناقد ان يبتعد عن الاستدلال بالمعلومات السماعية المضللة، والتاثر العاطفي، وان يستند لمعلومات حقيقية ويلتزم الموضوعية في النقد فالبعث ليس كبيرا على النقد بل يطلبه ليستفيد منه، واما اذا استمر نزول بعضهم من جبل الرماة لغنيمة او ابتغاء مكسب خاص، فانه سيجد الرد باشكال مختلفة كلها في اطار الموضوعية وتوضيح ما غاب عنه، او غيب منه، او اراد هو تغيبه عن قصد..
واخيرا هناك سؤال طرحته علينا حول: ما معنى ان تكون بعثيا في السودان بالذات؟
ولان هذا السؤال مهم، واعتبره عميقا عند كل بعثي ويحتاج الى رد واف” وكنت قد اجبت عليه في مقال سابق” لذلك ساجعله مدخلا لمقال قادم شامل، اذا شاء الله ومد في اعمارنا.

Leave a Reply