د.الشيخ فرح
فَرَد ود أبرق، أو “طائر الزرزور”، جناحيه في حيويةٍ ونشاطٍ وهو يتقافز من سلك الكهرباء الأعلى إلى الأسفل ثم العكس، ويملأ الدنيا ضجيجًا بصوته الحاد، وبين الحين والآخر يحكّ منقاره في أسلاك العمود يمنةً ويسرى قبل أن يطير إلى الشجرة المجاورة للعمود. كان في قمّة شبابه وحيويته، ويبحثُ في همّةٍ عاليةٍ عن شريكةٍ يبني معها عش الزوجية.
كان مكانه المُحبب هو عمود الكهرباء الأسمنتي المقابل للحديقة، لكن ما كان يشغله هو رؤيته في الأسبوع الماضي لعشوشة صغيرة أتت تستجم في العمود بعد أن أعيَاها الحَرّ الشديد. كانت فاتنة جدًا، كأجمل ما تكون الطيور، وبدا له أن ذيلها أطول مما شاهده في العشوشات الأخريات، كما أن عيونها ليست كعيون الزرازير.
وقفت على سلك الكهرباء رغم تعبها برجلٍ واحدة، وحكّت برجلها الأخرى ريشها.. يا ربي، ما أقوى هذا الشباب وما أروع هذه الفتنة! حاول التقرّب منها، لكنها طارت واختفت بعيدًا.
أتت في اليوم التالي وفي نفس الوقت، ولكن هذه المرة لم تَطِر حين تقرّب منها، فدار حولها دائرة كاملة، تشقلب وهبط إلى السلك الأسفل ثم إلى الأعلى قبل أن يعرّفها بنفسه. زغزغت ورفعت ذيلها الطويل قبل أن تطير مبتعدة.
جاءت إلى العمود في اليوم الثالث فقام بالتقرّب منها، فوقفت على السلك تستمع إلى صوته العالي. طار إلى صديقه ود أبرق العجوز يسأله رأيه الحكيم كما تعوّد منه:
– ماذا أفعل لأنال قلبها؟
حك ود أبرق العجوز ريش رأسه المفرق قبل أن يقول:
– أولًا، لا بد أن تكون دائمًا في أبهى صورة.
قاطعه ود أبرق الشاب:
– كيف يعني؟
قال:
– مثلًا، عندما تدقّك المطرة، لا تخَلِّيها تشوفك وأنت مبلول، وعظام صدرك المعصصة دي ظاهرة، ثم إياك وإياك والكُوش حتى تكون رائحتك زكيةً على الدوام، ثم تجنب حِيط المنطقة الصناعية قدر الإمكان، وأخيرًا لازم تجيب لها هدية معتبرة.
قال ود أبرق الشاب متلهفًا:
– عيش ريف؟ حبة فتريته؟ قبورة؟
نظر إليه العجوز وبضحكةٍ ماكرةٍ:
– صارقيل يا غشيم.
بُهِت ود أبرق الشاب وقال حزينًا:
– صارقيل أجيبه من وين؟
ابتسم العجوز وقال بلهجة الواثق:
– أنا بوريك محلّو.
أخذه العجوز الماكر إلى شجرة النيم الكبيرة داخل الحديقة، ونظر في طِينها المُبتل، وانتظر قليلًا حتى ظهر رأس صارقيل من بين فتحات الطين اللين، فانقض عليه وأخرجه ببطء وهو يضغط على رأسه المدبب حتى خرج كاملًا. طواه بعناية ووضعه في منقار الشاب قائلًا:
– مبارك، دا المهر يا عريس.
طار ود أبرق فرحًا بهديته، ووصل إلى العمود المعتاد في انتظار عشوشة. تلفّت يمنى ويسرى ليؤمّن موقفه، ومن ثم نظر نظرةً خاطفةً للسماء، فالصقور لا يُؤمن شرها. وأخيرًا نظر تحت العمود، كان هنالك طفل يبحث في الأرض عن شيءٍ ما. رفع ود أبرق منقاره الصغير واثقًا من نفسه، ولم يَعِر الطفل أي اهتمام، فاليوم هو أهم لقاء مع محبوبته عشوشة.
فَرَد جِناحيه ورتّب ريشهما، وعدّل من ريش رأسه وبدا في أحسن حال. التفت للطفل الذي بدا مسرورًا وهو يرفع من الأرض قطعةً من الحصا الأبيض المدوّر، نظر ود أبرق إلى الجهة الأخرى كعادته في تأمين نفسه. لقّم الطفل نبلته قبل أن يطلقها نحو العمود الذي يقف فيه ود أبرق. سمع ود أبرق صوت دويٍّ هائلٍ في رأسه، ولم يسمع بعدها شيئًا.

Leave a Reply