كيف تتعدد الأقطاب عالميًا… لننعم بالسلامة؟

صحيفة الهدف

أ. أسامه عبدالماجد بوب                أ. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة

مرّ علينا تسجيلٌ لخطابٍ سياسي لرئيس الوزراء الكندي، عبّر فيه عن تطلع بلاده – بوصفها دولة متوسطة القوة – إلى التطور العلمي والصناعي، مع إبداء قلق واضح من اختلال ميزان النظام الدولي حين تميل الكفة إلى قطبٍ واحد يفرض إيقاعه على الجميع. لم يكن الحديث موجهًا بعداء، بل بوعي واقعي يلامس مخاطر الهيمنة الأحادية حين تتحول من توازن قوة إلى احتكار قرار.

كان الخطاب – في جوهره – دعوة غير مباشرة للدول الصامتة أن تعيد التفكير في موقعها داخل عالم شديد الحساسية، حيث تؤثر قرارات مركز واحد في أسواق الطاقة والغذاء، وفي حركة التجارة، بل وفي مصائر الح.روب والسلام.

أعادنا ذلك الحديث إلى شعارات الماضي الكبرى، ومنها العبارة الشهيرة: «يا عمال العالم اتحدوا»، التي وردت في البيان الشيوعي عام 1848. لم يكن الشعار سوفيتي المنشأ كما يُتصوّر أحيانًا، لكنه تجسد لاحقًا في معسكرٍ دولي كامل خلال الح.رب الباردة. غير أن تلك الثنائية القطبية، على صراعاتها، كانت تخلق نوعًا من توازن الردع، حتى انهارت مع تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991، ودخل العالم مرحلة الأحادية.

كما استدعانا المشهد إلى مؤتمر باندونغ عام 1955، الذي جمع دول آسيا وإفريقيا حديثة الاستقلال، وأسّس لاحقًا لحركة عدم الانحياز. لم يكن باندونغ قطبًا موازنًا بالمعنى العسكري أو الاقتصادي، بل مساحة استقلال سياسي بين معسكرين. لكنه افتقر إلى أدوات القوة الاقتصادية والعسكرية المشتركة، فتحول تدريجيًا إلى إطار معنوي أكثر منه تكتلًا مؤثرًا في ميزان القوى العالمي.

اليوم، تتجدد الأسئلة. فمظاهر التمدد السياسي والاقتصادي للقوة المهيمنة، واشتداد العقوبات، وتسييس الاقتصاد العالمي، وتداخل الصراعات الإقليمية – من أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط – كلها تعكس هشاشة نظام أحادي لا يحتمل الخطأ.

لكن يبقى السؤال الجوهري:

إذا كان تعدد الأقطاب هو السبيل إلى قدر أكبر من التوازن، فكيف يتحقق ذلك عمليًا؟

تعدد الأقطاب لا يُولد من الأمنيات، بل من شروط موضوعية:

أولًا: عبر تكتلات اقتصادية حقيقية قادرة على إعادة توزيع النفوذ في التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، بحيث لا تبقى الأسواق رهينة مركز واحد.

ثانيًا: عبر تنويع النظام المالي الدولي، وتقليل الاعتماد الحصري على عملة واحدة في التبادلات الكبرى، وهو مسار بدأت بعض القوى الصاعدة في اختباره بحذر.

ثالثًا: عبر تحالفات إقليمية فاعلة في مجالات الطاقة والأمن الغذائي والتكنولوجيا، تتحول فيها الكيانات الجغرافية إلى قوى تفاوضية لا مجرد أطر دبلوماسية.

رابعًا: عبر إصلاح مؤسسات الحوكمة الدولية، بما يعكس تحولات موازين القوة في القرن الحادي والعشرين، لا خرائط ما بعد الح.رب العالمية الثانية.

غير أن التعددية القطبية ليست وصفة سحرية للسلام؛ فهي قد تفتح أبواب تنافس أشد إذا لم تُحكم بقواعد توازن واضحة. المطلوب ليس فقط كسر الأحادية، بل بناء نظام دولي أكثر توازنًا وعدالة.

بين باندونغ التي كانت حلمًا للاستقلال، وشعار الأممية الذي كان دعوة لوحدة عابرة للحدود، وبين واقع اليوم حيث تتصارع المصالح الكبرى، يبدو أن العالم في طور مخاض جديد.

هل يتشكل نظام متعدد الأقطاب؟

أم تستمر الأحادية بأشكال معدّلة؟

ربما لا تكفي الدعوات الخطابية وحدها، لكن المؤكد أن استقرار العالم لن يتحقق إلا حين يتوزع النفوذ بصورة تمنع الاحتكار، وتمنح الدول المتوسطة والصغيرة مساحة أوسع للحركة والقرار.

فالتاريخ يعلمنا أن اختلال الميزان لا يدوم، وأن القوة – مهما تعاظمت – تبحث دائمًا عن معادل. والسؤال ليس إن كان العالم سيتجه نحو تعددية الأقطاب، بل متى وكيف وبأي ثمن.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.