بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾
— سورة آل عمران، الآية 103
إلى السيد المحترم رئيس الجمهورية
عبد المجيد تبون
وإلى رجال الدولة الوطنيين، حماة الدستور وورثة رسالة نوفمبر،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
نكتب إليكم اليوم لا كمعارضة سياسية، ولا كصوت احتجاج، بل كشهادة تاريخ أمام أجيال الجزائر القادمة، لأن التاريخ لا يرحم الصمت حين يُكتب في صفحات العدالة أو في صفحات الإقصاء.
إن الجزائر المنتصرة التي نعيشها اليوم ليست وليدة الصدفة، بل هي امتداد لمسار طويل بدأ مع مشروع الدولة الذي حلم به الأمير المجاهد الأمير عبد القادر ، الذي أسس نموذج الدولة التي تحمي الإنسان قبل أن تفرض السلطة.
ثم جاء الوعي الوطني الحديث مع النضال السياسي الذي قاده الزعيم مصالي الحاج الذي زرع فكرة الأمة في الوعي الشعبي.
وتجسد مشروع الدولة الحديثة بعد الاستقلال مع قيادة الرئيس الراحل هواري بومدين الذي جعل من الدولة أداة لبناء السيادة الوطنية والتنمية الاجتماعية.
أما قادة الثورة التحريرية، فهم الذين كتبوا بدمائهم أقدس بيان سياسي في تاريخ الجزائر، وتركوا للأجيال وصية واحدة: أن الجزائر تُبنى بالحرية والعدالة معًا، لا بأحدهما دون الآخر.
فخامة المعنى الحقيقي للدولة لا يظهر في أوقات الهدوء، بل يظهر في لحظات الاختبار التاريخي.
وحين يُحاكم الأستاذ الجامعي والمؤرخ الدكتور مصطفى نويصر بعامٍ سجنًا نافذًا بسبب رأيٍ عبّر عنه.
إن الأستاذ الجامعي في الجزائر لم يكن يومًا مجرد موظف في منظومة التعليم، بل كان دائمًا امتدادًا لرسالة النخبة الفكرية التي حافظت على الهوية الوطنية خلال الاستعمار وبعد الاستقلال. لقد كان الأستاذ هو الجسر بين التاريخ والمستقبل، بين الذاكرة الوطنية وصناعة الوعي السياسي والاجتماعي.
يا رجال الدولة الوطنيين،
نخاطب فيكم روح الدولة لا مواقع السلطة.
هل يمكن أن نتصور أن دولةً خرجت من رحم ثورة عظيمة، يمكن أن تضيق برأي أستاذ أو بتعليق أكاديمي؟
هل هذا هو الجزاء الذي يُقدم لمن أفنى عمره في تعليم الأجيال وتخريج الإطارات التي تبني اليوم مؤسسات الدولة؟
إننا لا ندعو إلى الفوضى الفكرية، بل إلى العدالة الفكرية. فالدولة القوية ليست التي تنتصر على النقد، بل التي تجعل من النقد وسيلة لتصحيح المسار.
إن المؤسسات الوطنية – ومنها المحافظة السامية للأمازيغية – يجب أن تبقى جزءًا من النقاش الوطني المفتوح، لا أن تتحول إلى رمزية فوق النقاش أو فوق المساءلة. فالوطن الجزائري أكبر من أي مؤسسة، وأوسع من أي قراءة أحادية لهويته المتعددة.
إن التاريخ يعلمنا أن الأمم التي تبقى خالدة هي الأمم التي تحمي علمائها ومفكريها في لحظات الاختلاف، لأن إسكات الفكر لا يصنع الاستقرار، بل يؤجل الأسئلة فقط.
يا صناع القرار في الجزائر،
أنتم اليوم في موقع من سيذكره التاريخ.
فالتاريخ لا يسجل فقط أسماء القادة، بل يسجل أيضًا مواقفهم الأخلاقية حين كانت القرارات صعبة.
أجعلوا من هذه اللحظة صفحةً جديدة من صفحات الدولة الجزائرية، صفحة عنوانها العدالة، والحكمة، واحتضان الكفاءات، وصون كرامة الجامعة الجزائرية التي كانت دائمًا مصنع الإطارات الوطنية.
حفظ الله الجزائر، وحفظ تاريخها، وأبقى رجالها أوفياء لرسالة الشهداء، وجعل مستقبلها أعدل من حاضرها، وأبقى.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الدكتور أحمد شوتري

Leave a Reply