كلمة العدد: التكامل الاقتصادي العربي: ضرورةٌ وجوديةٌ في زمن التكتلات

صحيفة الهدف

انعقد المؤتمر القومي الثالث عشر لـحزب البعث العربي الاشتراكي في يناير 2026 في لحظةٍ عربيةٍ شديدة التعقيد، تتقاطع فيها الأزمات السياسية والأمنية مع ضغوطٍ اقتصاديةٍ واجتماعيةٍ غير مسبوقة. فالمشهد العربي اليوم يتسم بتصاعد الصراعات المسلحة، وتزايد التدخلات الإقليمية، واتساع فجوة التنمية، إلى جانب تحدياتٍ اقتصاديةٍ أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرة الدول على الاستجابة لمطالب مواطنيها.

في هذا السياق، لم يتوقف المؤتمر عند حدود التشخيص السياسي، بل أولى الواقع الاقتصادي اهتمامًا واضحًا، مؤكدًا أن الأزمة الاقتصادية ليست ظاهرةً منفصلةً، بل جزءٌ من أزمةٍ أوسع تمس بنية الدولة والمجتمع معًا.

لماذا الاقتصاد الآن؟

الجواب يكمن في أن التجزئة الاقتصادية لم تعد مجرد عائقٍ تنمويٍّ، بل تحولت إلى عاملٍ استراتيجيٍّ يحد من قدرة الأقطار العربية على الفعل المستقل. فالدولة المنفردة، مهما امتلكت من موارد، تظل محكومةً بضيق السوق المحلية، وضعف القدرة التصنيعية، وهشاشة الموقع التفاوضي في الاقتصاد العالمي. كما أن الاعتماد على القطاعات الريعية أضعف التنوع الإنتاجي، ورفع معدلات البطالة، خصوصًا بين الشباب، وأسهم في هجرة الكفاءات وتآكل القوة الشرائية.

إلى جانب ذلك، باتت الأدوات الاقتصادية الخارجية ـ من عقوباتٍ وضغوطٍ ماليةٍ ـ تُستخدم وسائلَ تأثيرٍ سياسيٍّ، بما يعمّق هشاشة الاقتصادات المنفردة ويحدّ من استقلال قرارها.

ما يميز مخرجات المؤتمر أنه لم يكتفِ بالخطاب الوحدوي التقليدي، بل طرح رؤيةً تقوم على خطواتٍ تكامليةٍ تدريجيةٍ قابلةٍ للتنفيذ، من أبرزها:

1/ تطوير شبكات النقل والربط اللوجستي بين الأقطار.

2/ تخفيف الحواجز الجمركية وتعزيز انسياب السلع والأفراد.

3/ إعادة تفعيل مشروع السوق العربية المشتركة بصورةٍ عمليةٍ.

4/ إطلاق مشاريع إنتاجية مشتركة في قطاعات الطاقة والغذاء والدواء والتكنولوجيا.

هذه الخطوات، في جوهرها، لا تمثّل مجرد إصلاحاتٍ تقنيةٍ، بل تشكل مسارًا عمليًّا لبناء مصالح اقتصادية متبادلة تمهد لآفاقٍ أوسع من التكامل.

إن التكامل الاقتصادي لا يقتصر على رفع معدلات النمو، بل يمتد إلى تحقيق توازنٍ اجتماعيٍّ أوسع. فتنويع مصادر الإنتاج وتوسيع الأسواق يحدّان من التقلبات الاقتصادية ويمنحان فرصًا أكبر للتشغيل، كما يتيحان دمج المناطق المهمشة في شبكة إنتاجٍ أوسع، بما يعزز التماسك الاجتماعي والاستقرار الداخلي. وبالتالي تكون العدالة الاجتماعية في قلب المشروع التكاملي.

التحول المطلوب اليوم يتجاوز زيادة حجم التبادل التجاري إلى بناء سلاسلِ قيمةٍ عربيةٍ مشتركةٍ، حيث تتوزّع مراحل الإنتاج بين عدة دول ضمن منظومةٍ تكامليةٍ. هذا النموذج يتيح تحويل الموارد الخام إلى صناعاتٍ تحويليةٍ ذات قيمةٍ مضافةٍ، ويعزز القدرة التنافسية الجماعية في الأسواق العالمية.

الرسالة الأساسية التي يمكن استخلاصها هي أن التكامل الاقتصادي العربي لم يعد خيارًا نظريًّا أو ترفًا سياسيًّا، بل ضرورةٌ تفرضها طبيعة النظام الاقتصادي العالمي القائم على التكتلات. فالأقطار العربية، حين تعمل منفردةً، تظل محدودة التأثير؛ أما حين تنجح في بناء فضاءٍ اقتصاديٍّ مترابطٍ، فإنها تفتح المجال لاقتصادٍ قادرٍ على حماية السيادة وتعزيز التنمية وتحقيق قدرٍ أكبر من العدالة الاجتماعية.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.