عادل أحمد محمد
يعيش السودان واحدةً من أغرب الحالات الاقتصادية في العالم؛ حالةً يُسميها الخبراء “فقرَ الدول الغنية”. فبينما يمتلك أكثر من 175 مليون فدانٍ من الأراضي الصالحة للزراعة، ونحو 100 مليون رأسٍ من الماشية، ويُصنَّف ضمن أكبر منتجي الذهب في إفريقيا، يترنّح اقتصادُه تحت وطأة التضخم الجامح وانهيار العملة الوطنية. فما الذي يمنع “الذهبَ الأصفر” و”الذهبَ الأخضر” من إنقاذ الجنيه السوداني؟
- ثقوبٌ في جسد الدولة: لماذا لا تدخل العملة الصعبة؟
إن أزمة الاقتصاد السوداني ليست أزمةَ “إنتاجٍ”، بل هي أزمةُ “مسارٍ”. الموارد موجودة، لكن عوائدها لا تصل إلى خزينة البنك المركزي.
– اقتصاد الظل والتهريب: تشير التقارير إلى أن كمياتٍ ضخمةً من الذهب السوداني تُهرَّب سنويًّا عبر الحدود، مما يعني أن الدولة تخسر ملياراتٍ من العملة الحرة التي كان يمكن أن توفر غطاءً نقديًّا قويًّا للجنيه.
– تعدّد مراكز القرار المالي: لسنواتٍ طويلة، كانت هناك “جزرٌ معزولةٌ” من الشركات التابعة للأجهزة الأمنية والعسكرية والمليشيات تعمل خارج ولاية وزارة المالية. هذا التفتت جعل الدولة “فقيرةً” بينما “مؤسساتها الموازية” غنيةٌ جدًّا.
- تصدير الخام: استنزافُ الذكاء الوطني
نرتكب خطًا اقتصاديًّا فادحًا بتصدير مواردنا كـ”موادَّ أوليةٍ”. عندما نصدر الماشيةَ حيّةً، والسمسمَ والقطنَ في أكياس الخام، فإننا نصدر “القيمةَ المضافةَ” وفرصَ العمل إلى دولٍ أخرى، ثم نعود لنستورد منها الزيوتَ والمنسوجاتِ واللحومَ المعلبةَ بأسعارٍ مضاعفةٍ وبالعملة الصعبة.
- “تأثير الفراشة” السوداني: الجوار الملتهب
لم تقتصر آثار الانهيار على الداخل، بل امتدت لتصيب المحيط الإقليمي بـ”عدوى التضخم”. السودان هو الرئة الاقتصادية لجيرانه؛ وعندما توقفت الموانئ السودانية وتعطلت سلاسل الإمداد بسبب الحرب، ارتفعت الأسعار في تشاد وإثيوبيا وجنوب السودان.
– جنوب السودان: فقد شريانَ حياته (أنبوب النفط)، مما أدى إلى انهيار ميزانيته.
– دول الجوار: تحمّلت فاتورةَ لجوء الملايين، مما خلق ضغطًا هائلًا على مواردها المحدودة وأدى إلى ارتفاع تضخمها المحلي.
- ملامح الحل: كيف نسترد عافيتنا؟
إن الطريق إلى تعافي الجنيه السوداني يمر عبر ثلاث بواباتٍ إلزامية:
1/ الولاية الكاملة للمالية: لا يجوز أن ينمو “اقتصادٌ موازٍ” داخل الدولة. كل مليمٍ يخرج من أرض السودان (ذهب، صمغ، ماشية) يجب أن يمر عبر البوابة الرسمية.
2/ بورصة وطنية للذهب: إنشاء بورصةٍ عالميةٍ في الخرطوم أو بورتسودان لتسعير الذهب محليًّا وفق الأسعار العالمية، مما يشجع المنتجين على البيع للدولة بدلًا من التهريب.
3/ الثورة الصناعية الزراعية: التحوّل فورًا نحو “التصنيع”؛ فبدلًا من تصدير مليون رأسٍ من الماشية، نصدر مليون طنٍّ من اللحوم المذبوحة والمصنعة، وبدلًا من تصدير القطن، نصدر المنسوجات.
خاتمة
إن انهيار الاقتصاد السوداني ليس قدرًا محتومًا، بل هو نتيجةُ “سوءِ إدارةٍ ممنهجٍ” وتقديمِ المصالح التنظيمية على مصلحة الوطن. السودان يمتلك كل مقومات القيادة الاقتصادية في المنطقة، وما يحتاجه هو “دولةُ مؤسساتٍ” تحمي مواردها من النهب وتدير ثرواتها بعقلية البناء لا الجباية.

Leave a Reply