ستّ النَّفَر عوض عمر
لم يكن رمضان في التجربة التاريخية الإسلامية شهرَ وفرةٍ ماديةٍ، بل شهرَ ندرةٍ مقصودةٍ. فالصوم في جوهره ليس تقليلَ الطعام فقط، بل تقليلَ الحاجة. إنَّه تدريبٌ على الاستغناء، لا على الإشباع، وعلى ضبط الرغبة، لا على ملاحقتها. لذلك ارتبطت به قيمُ الزهد والتكافل وكسرِ الفوارق الاجتماعية. غير أن المشهد المعاصر يكشف مفارقةً صارخةً؛ إذ إن الشهر الذي شُرِع لكبح الاستهلاك أصبح ذروةَ الاستهلاك، والشهر الذي أراد إعادة توزيع الإحساس بالجوع صار ذروةَ الإسراف الغذائي والإعلاني والسلعي.
هذه المفارقة ليست أخلاقيةً فقط، بل حضاريةٌ أيضًا. فهي لا تعني أن الناس فقدوا إيمانهم، بل إن البنية الاقتصادية والاجتماعية أعادت تشكيل معنى الممارسة الدينية ذاتها. فالأفعال الدينية لا تعيش خارج التاريخ؛ إنما تتأثر بالنظام الاقتصادي، وبنمط الإنتاج، وبالعلاقات الاجتماعية السائدة. ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا يُسرف الناس في رمضان؟ بل: ما الذي غيّر وظيفةَ رمضان داخل المجتمع؟
أولًا: الاقتصاد الريعي وتحول الشهر إلى موسمٍ سوقيٍّ
في المجتمعات المنتجة يرتبط الاستهلاك بالعمل، أما في المجتمعات الريعية فيرتبط بالتوزيع. وحين ينفصل الدخل عن الإنتاج، تنفصل القيمة عن الجهد، ويتحول الإنفاق إلى تعبيرٍ عن المكانة لا عن الحاجة.
الاقتصاد الريعي لا يخلق مواطنًا منتجًا، بل مستهلكًا دائمًا؛ لأن الدولة أو السوق يمنح الدخل دون أن يربطه مباشرةً بالفعل الاقتصادي الفردي. وهنا تتغير وظيفة المناسبات الدينية؛ فلم تعد لحظةَ ضبطٍ اجتماعيٍّ للرغبات، بل لحظةَ تفريغٍ لها.
ولهذا يصبح رمضان موسمًا اقتصاديًّا كاملًا:
ترتفع فيه أسعار الغذاء بدل أن ينخفض الطلب.
تتضاعف الإعلانات بدل أن تتراجع الرغبات.
تتحول الأسواق إلى فضاءٍ مركزيٍّ للحياة اليومية.
إن السوق لا يعادي الدين، لكنه يعيد تفسيره. فحين تهيمن منطقه، يتحول الصوم من تقليل الحاجات إلى تنويعها. ويصبح الإفطار مناسبةَ استعراضٍ اجتماعيٍّ، لا استعادةَ توازنٍ إنسانيٍّ. وبذلك ينتقل رمضان من فضاء القيم إلى فضاء العرض والطلب.
ثانيًا: من التضامن إلى الاستهلاك – انقلاب الوظيفة الاجتماعية
تاريخيًّا، كان الجوع المشترك في رمضان يولد شعورًا مشتركًا بالعدالة؛ فالغني يشعر مؤقتًا بما يشعر به الفقير، فينشأ الضمير الاجتماعي الذي يترجم نفسه زكاةً وتكافلًا. أي إن الصوم كان يولد تضامنًا.
أما اليوم فقد انعكست المعادلة؛ فبدل أن يقود الجوع إلى المشاركة، يقود إلى التعويض الاستهلاكي.
يحدث ذلك عبر ثلاث آلياتٍ اجتماعيةٍ:
1/ تعويض الحرمان المؤقت: الصائم لا يتجه إلى الاعتدال، بل إلى الإفراط بعد الإفطار، فيتحول الصوم نفسيًّا إلى تأجيلٍ للمتعة لا إعادةِ تعريفٍ لها.
2/ المكانة الاجتماعية عبر المائدة: أصبحت الولائم لغةَ مكانةٍ طبقيةٍ، فتحولت المائدة من وسيلة ضيافة إلى وسيلة تمايز.
3/ الإحسان بدل العدالة: يتراجع مفهوم الحق الاجتماعي (الزكاة بوصفها حقًّا) لصالح الصدقة الموسمية (الكرم بوصفه فضلًا)، فيتحول التضامن من نظامٍ اجتماعيٍّ دائمٍ إلى حدثٍ عاطفيٍّ مؤقتٍ.
وهنا يفقد رمضان وظيفته التاريخية؛ فلم يعد يعيد توزيع الإحساس بالمجتمع، بل يعيد إنتاج الفوارق داخله.
ثالثًا: من التدين الجماعي إلى التدين الفردي
كان رمضان تاريخيًّا ظاهرةً جماعيةً: الأسواق تهدأ، المساجد تمتلئ، الزمن الاجتماعي يتوحد. أما اليوم فقد أصبح تجربةً فرديةً متزامنةً؛ فكل شخصٍ يصوم، لكن كلًّا يعيش رمضانَه الخاص.
يحدث ذلك نتيجة تحولاتٍ ثقافيةٍ عميقةٍ:
1/ الإعلام حوّل الليل الرمضاني إلى فضاءٍ ترفيهيٍّ منزليٍّ.
2/ التكنولوجيا نقلت التجربة من المجال العام إلى الشاشة.
3/ الحياة الحضرية قلّصت الفضاء الاجتماعي المشترك.
فلم يعد رمضان زمنَ المجتمع، بل زمنَ العائلة الصغيرة، ثم زمنَ الفرد. والنتيجة أن العبادة بقيت، لكن أثرها الاجتماعي تقلص. الصوم مستمر، لكن المجتمع لا يتغير.
رابعًا: ماذا يعني ذلك حضاريًّا؟
لا يعني هذا أن الناس أكثر ماديةً أو أقل إيمانًا، بل إن البنية الحضارية تغيرت:
1/ الاقتصاد الريعي ولّد مستهلكًا دائمًا.
2/ الثقافة الحديثة فَرْدَنَت التجربة الدينية.
3/ السوق أعاد تفسير المناسبات الروحية.
فانتقل رمضان من كونه قوةَ ضبطٍ اجتماعيٍّ إلى كونه موسمًا اقتصاديًّا. وبالتالي فإن المشكلة ليست في المتدين، بل في السياق الذي يعيد تشكيل التدين. فالقيم لا تختفي، لكنها تتخذ وظيفةً جديدةً داخل البنية السائدة.
نحو استعادة المعنى
استعادة وظيفة رمضان لا تعني الدعوة إلى زهدٍ وعظيٍّ، بل إعادةَ وصل العبادة بوظيفتها الاجتماعية:
1/ أن يتحول الصوم إلى وعيٍ بالاستهلاك، لا مجرد امتناعٍ مؤقتٍ.
2/ أن تعود الزكاة مؤسسةَ عدالةٍ، لا مبادرةَ خيرٍ.
3/ أن يصبح الإفطار مساحةَ مشاركةٍ، لا عرضَ وفرةٍ.
4/ أن يستعيد المجتمع زمنه المشترك، لا زمن الشاشات المتجاورة.
فالصوم في جوهره ليس حربًا على الجسد، بل على الهيمنة التي تجعل الإنسان عبدًا لحاجاته. وإذا كانت الحضارة الحديثة قد وسّعت الرغبات، فإن وظيفة رمضان التاريخية كانت دائمًا تقليصَها كي يستعيد الإنسان سيادته على ذاته.
خاتمة
تحول رمضان إلى موسم استهلاك ليس انحرافًا أخلاقيًّا عابرًا، بل نتيجةً منطقيةً لتحولاتٍ اقتصاديةٍ وثقافيةٍ عميقةٍ. لقد تغيّر المجتمع فتغيّرت وظيفة الشعيرة داخله. ولذلك فإن استعادة المعنى لا تبدأ باللوم، بل بالفهم.
فرمضان لم يُشرع ليمنع الطعام ساعاتٍ، بل ليعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وحاجاته، وبين المجتمع وعدالته، وبين الأمة ورسالتها. وحين يستعيد هذه الوظيفة، يعود شهرًا للتحرر لا للاستهلاك؛ شهرًا يعيد تشكيل الإنسان، لا قائمة مشترياته.
عندها فقط يصبح الجوع معرفةً، والتقوى نظامَ حياةٍ، والصوم فعلًا حضاريًّا لا عادةً موسميةً.

Leave a Reply