الوعي الموروث.. حين يكتب “المهندس” بوجع الوطن

صحيفة الهدف

قلم : م. عادل أحمد محمد

يقولون إن الكتابة قدرٌ مؤجل، وأن الحقيقة تظل كامنة فينا حتى تطرق المحنُ أبوابنا. في سنوات اغترابي الطويلة، كان التركيز منصباً على بناء المسار المهني كمهندس، وعلى الوفاء بعهدٍ قطعته لنفسي بأن أكون سنداً لأهلي، وهو الواجب الذي استهلك سنوات العمر بجدٍ واجتهاد. ولكن، في خضم هذه الح.رب اللعينة التي هزت أركان السودان، اكتشفتُ وجهاً آخر لنفسي؛ اكتشفتُ أن بداخلي “فكرا” لم يكن نائماً، بل كان

يختزن إرثاً جينياً وفكرياً عميقاً.

إن هذا الوعي الذي فجرته الكتابة في نفسي لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج تربة خصبة سقاها الأجداد والآباء. فأنا سليل بيوتاتٍ كانت الكلمة فيها مقدسة؛ فمن الوالدة “فاطمة الغوث” والجدة “بلالة الزيلعي” -عليهما رحمة الله- ورثتُ ذلك “الذكاء الفطري” والنبض الشاعري الذي يرى ما وراء الأشياء. كانت الكلمة عندهما شعراً ينساب بصدق، وعاطفةً جياشة ترتبط بالأرض والإنسان.

أما الوالد -عليه رحمة الله- فقد كان مدرستي الأولى ومثالي الأعلى. المعلم الذي جاب “الجزيرة” و”كردفان” فاتحاً للمدارس وناشراً للعلم والمعرفة. لم يكن مجرد ناقل للمعلومة، بل كان غارساً للقيم، متبحراً في علوم القرآن والتوحيد، ومخرجاً لأجيالٍ نهلت من علمه وخلقه. منه تعلمتُ المنهج، ومنه استقيتُ القدرة على التحليل، ومن سيرته عرفتُ أن بناء العقول لا يقل أهمية عن بناء الجسور والمباني.

لقد كانت الغربة مدرسةً للعمل والبناء المادي، لكن الح.رب كانت “سلاحاً ذو حدين”؛ فبقدر ما أحدثته من دمار، إلا أنها أحدثت في داخلي “ثورة وعي”. جعلتني أدرك أن تخصصي الهندسي، حين يمتزج بإرثي الشعري والتعليمي، يمكن أن ينتج رؤيةً مختلفة لتشريح أزمة بلادنا.

اليوم، حين أكتب عن ، فإنني لا أكتب بحبر القلم فحسب، بل بمدادٍ من ذكاء “فاطمة وبلالة” الفطري، وبعقلانية “المعلم” الذي رباني على حب الحق. لم يفت الأوان بعد لتقديم شيء للسودان؛ فإذا كانت الهندسة تبني ما دمرته الح.رب، فإن الكتابة هي التي تبني الإنسان الذي سيحافظ على هذا البناء.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.