الجزائر قلب الأمة: معركة التحرر ومسار الوعي القومي

صحيفة الهدف

بقلم الدكتور أحمد شوتري

الأمين العام لـ حزب البعث العربي الاشتراكي في الجزائر

بسم الله الرحمن الرحيم

“وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ” [التوبة:105]

نبدأ بهذه الآية المباركة لأنها تلخص روح معركة الجزائر: أن كل عمل في سبيل الحق والحرية، مهما كانت صعوبته، يُسجل في التاريخ ويترك أثرًا خالدًا. فالنضال الجزائري لم يكن مجرد مواجهة عسكرية، بل جهد حضاري شامل، يجمع بين الإرادة الصادقة والشجاعة والإيمان برسالة الأمة.

لقد شكلت معركة الجزائر محطة حاسمة في تاريخ الأمة العربية، وكشفت عن أعمق أزمات الاستعمار الفرنسي وعجزه عن السيطرة على إرادة الشعوب. فمشاكل فرنسا مع الجزائر أعمق من أي أزمة استعمارية سابقة، فقد جاءت بعد الهند الصينية لتفضح ضعفها، وتظهر التناقض بين مصالح شعوبها وبين مصالح نخبها الرأسمالية والإقطاعية التي استثمرت في استمرار الاحتلال. وفي الوقت الذي يطالب فيه الشعب الفرنسي بتحرير الجزائر كخطوة نحو تحرير نفسه من الاستعمار، تحاول نخبها إخفاء مصالحها الضيقة خلف شعارات كاذبة عن الشرف القومي وهيبة فرنسا، لكن الواقع أثبت أن هذه الحجج لم تعد تجد صدى لدى شعوبها.

إن النضال الجزائري لم يكن مواجهة السلاح فقط، بل صراع حضاري شامل بين مشروع استعماري قائم على الاستغلال والظلم، ومشروع قومي تحرري يقوم على الحرية والوحدة والعدالة الاجتماعية. وقد أظهرت التجربة أن القوة الحقيقية لا تكمن في السلاح وحده، بل في إرادة الشعب الموحدة، ووعي الجماهير بمصالحها، وقدرتها على تحويل الظلم إلى طاقة للتغيير. فكل خطوة نحو التحرر كانت خطوة نحو تحرير التاريخ وبناء مشروع قومي يربط بين حاضر الأمة ومستقبلها.

لقد أظهرت معركة الجزائر أن النصر الجزائري لم يكن مجرد تحرير أرض، بل تحرير إرادة شعب كامل، وإطلاق الطاقات الكامنة للأمة العربية. وهي معركة إيجابية لكل شعوب العالم، لأنها تقوم على الحق، على الوحدة، وعلى مصالح الشعوب نفسها، على عكس مشروع الاستعمار الذي يفضح هشاشته ويعزل الاستعماريين عن شعوبهم ويقسم مجتمعهم الداخلي.

لقد أثبت النضال الجزائري أن الحرية لا تُنتزع بالقوة وحدها، بل بالوعي والتضحيات والعمل المنظم، وأن الاستمرار في النضال يولد وعيًا جديدًا ويكشف عن آفاق أوسع لكل حركة تحررية. واليوم، نحن ندرك أن رسالتنا لم تعد بعيدة المدى، بل نحن نحياها في كل لحظة، ونساهم بفاعلية في تحرير شعوب أخرى، بما يعكس تجربة قومية صادقة وفكرًا بعثيًا متجذرًا.

إن فكر البعث، الذي يجعل من وحدة الأمة وحرية الشعوب وعدالة الإنسان منهجًا عمليًا، يدعونا اليوم لتعبئة أقصى إمكانياتنا في وعي تام بأهداف النضال القومي، مع إدراكنا العميق لمكانة معركة الجزائر في تاريخ الأمة ومسارها التحرري. فالجزائر ليست مجرد انتصار تاريخي، بل رسالة مستمرة: أن الأمة إذا آمنت بنفسها وبمشروعها القومي، فلن تهزم، وأن الحرية والوحدة والعدالة الاجتماعية هي الركائز التي تبني الحضارة وتحقق مستقبل الأجيال.

وحدة – حرية – اشتراكية

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.