أمجد السيد
- لم يعد في المشهد السوداني متسعٌ لمزيد من الانتظار أو المناورات، الح.رب التي التهمت المدن والقرى، وبددت أحلام الملايين، تدفع البلاد اليوم إلى حافة هاوية سحيقة. الأصوات الدولية التي تعالت في أروقة مجلس الأمن ليست مجرد مواقف دبلوماسية عابرة، بل إنذارات واضحة بأن استمرار القت.ال يقرّب السودان من نقطة اللاعودة.
- لقد ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن هذه الح.رب بلا منتصر. كل يوم إضافي من المعارك يعني مزيداً من النزوح ومزيداً من القبور ومزيداً من الجوع والانهيار الاقتصادي. المدنيون هم الخاسر الأكبر، والنساء والأطفال يدفعون الثمن الأفدح، بينما تتآكل مؤسسات الدولة وتتسع رقعة الفوضى. إن الحديث عن حسم عسكري بات وهماً مكلفاً، يبدد ما تبقى من مقدرات وطن أنهكته الصراعات.
- الهدنة الإنسانية ليست مطلباً سياسياً لطرف دون آخر، ولا مناورة تكتيكية في صراع نفوذ؛ إنها ضرورة أخلاقية وقانونية ووطنية. هي الحد الأدنى الذي يمكن أن يتوافق عليه المتحاربون، إن بقي فيهم قدر من المسؤولية تجاه شعبهم. وقف إطلاق النار ولو مؤقتاً يعني فتح الممرات الآمنة لإيصال الغذاء والدواء، وتأمين خروج العالقين، وحماية ما تبقى من بنية تحتية مهددة بالانهيار الكامل.
- إن تعقيد المشهد وتداخل المصالح الإقليمية والدولية لا ينبغي أن يكون ذريعة لاستمرار النزيف. على العكس، فإن تعدد الوسطاء والآليات يمكن أن يتحول إلى عنصر ضغط إيجابي إذا توحّدت الإرادة حول هدف واحد إخماد نار الح.رب فوراً. فكل سلاح يتدفق إلى ساحة المعركة هو إطالة لمعاناة الأبرياء، وكل خطاب تعبوي يؤجج الاستقطاب هو مسمار جديد في نعش الدولة.
- المطلوب اليوم شجاعة سياسية من الأطراف المت.قاتلة قبل أي شيء آخر. شجاعة تعترف بأن لا أحد قادر على حكم بلد مدمّر، وأن الشرعية الحقيقية لا تُستمد من فوهة بندقية، بل من رضا الناس وصناديق الاقتراع. إن أي انتقال سياسي مستقبلي لن يكون قابلاً للحياة ما لم يُبنَ على أرضية سلام حقيقي، يبدأ بهدنة واضحة المعالم، خاضعة للرقابة، ومصحوبة بضمانات لعدم تجدد الق.تال.
- كما أن على القوى الإقليمية والدولية أن تنتقل من بيانات القلق إلى خطوات عملية ضغط دبلوماسي منسق، تجفيف منابع التسليح، دعم جاد لجهود الوساطة، وتوفير تمويل عاجل للاستجابة الإنسانية. فالسودان ليس ساحة لتصفية الحسابات، بل وطن لملايين البشر يستحقون فرصة للحياة بكرامة.
إن استمرار الح.رب لا يهدد وحدة السودان فحسب، بل يهدد استقرار الإقليم بأسره. موجات النزوح وانتشار السلاح، وصعود الجماعات المتطرفة، كلها نتائج متوقعة لفوضى طويلة الأمد. ومن ثم فإن استعجال الهدنة ليس عملاً خيرياً، بل استثمار في الأمن الجماعي. - لقد آن الأوان لإسكات المدافع وإعلاء صوت الضمير. هدنة إنسانية عاجلة، تعقبها عملية سياسية شاملة تقود إلى حكم مدني ديمقراطي، هي الطريق الوحيد لتفادي الانهيار الشامل. ما دون ذلك ليس سوى دوران في حلقة مفرغة من الدم والخراب.
- بلدنا اليوم أمام مفترق طرق إما أن يختار الحياة عبر وقف الح.رب فوراً، أو يُترك ليستنزف نفسه حتى يتلاشى. والمسؤولية تقع على الجميع، لكن القرار في النهاية بيد من يملكون السلاح فهل يملكون أيضاً شجاعة السلام؟

Leave a Reply