البعث والإسلام: شعلة النهضة ومسار التحرر

صحيفة الهدف

بقلم: د. أحمد شوتري

في زمن تتداخل فيه الشعارات مع التحليل العلمي، يصبح من الضروري إعادة قراءة العلاقة بين الإسلام والفكر القومي العربي بأسلوب عميق ومتوازن. فالدين ليس خصمًا للقومية، بل روحٌ تحركها القيم الأخلاقية والإنسانية، والقومية ليست مجرد مشروع سياسي، بل حركة حضارية تستلهم المبادئ الروحية وتعمل على تعزيز العدالة والكرامة.

لقد شكّل الدين عبر التاريخ قوة أساسية في بناء الأمم والحضارات. والإسلام في صدر الأمة العربية مثال حي على ذلك؛ فقد لم يكن مجرد عقيدة شخصية، بل حركة شاملة أعادت صياغة الإنسان وكرامته ودوره في المجتمع، ونقلت العرب من التمزق إلى وحدة الرسالة، ومن العصبية الضيقة إلى أفق حضاري واسع.

لكن الإشكال ينشأ حين يُختزل الدين في مظاهر جامدة أو يُستغل لتبرير الظلم والامتيازات، فتظهر فجوة بين جوهر الرسالة وممارساتها، وتتكاثر الأزمات الفكرية والاجتماعية، ويولد تشكيك سطحي في الدين.

وتتجلى هذه الحقيقة بأوضح صورها في الثورة الجزائرية، التي انطلقت في 1 نوفمبر 1954، ليلة الأحد إلى الاثنين، صادفت شهر رمضان المبارك، ليلة 7 أو 8 ربيع الأول هجريًا. لم يكن اختيار هذا التوقيت عشوائيًا، بل كان قرارًا استراتيجيًا يعكس وعيًا دينيًا وروحيًا عميقًا، وإدراكًا أن الحرية لا تتحقق إلا بالإيمان بالحق والعدل والصمود أمام الظلم. استلهم المجاهدون قيم التضحية والصبر والشجاعة من روح الإسلام، مؤكدين أن الإيمان بالحق والعدالة قوة تحرّر الأمة.

هذا التلاقي بين الدين والعمل الوطني يتماشى مع فكر حزب البعث الذي يرى في النهضة القومية عملية تحريرية شاملة، تجمع بين القيم الروحية والمبادئ الأخلاقية والوطنية، وتدعم وحدة الأمة، وتكرّس حقوق المستضعفين كأساس لأي مشروع نهضوي. كما يجسد فكر ميشال عفلق رؤية البعث في الربط بين الحرية والتضامن والموقف الثوري ضد الظلم، كمعايير أساسية لأي نهضة حقيقية.

النهضة التي نطمح إليها لا تقوم على صراع بين الدين والقومية، بل على تكامل القيم الروحية مع العمل الوطني، والإيمان بالعدالة مع النشاط الاجتماعي والسياسي. الأمة التي تنفصل عن جذورها الروحية تفقد توازنها، والأمة التي تجمد على فهم سطحي للدين تعرقل مسارها نحو التقدم. الثورة الجزائرية برهنت أن الأمة حين توحد قلبها وعقلها وإيمانها تستطيع مواجهة الظلم واستعادة كرامتها، وبناء مستقبلها على أسس الحرية والعدل.

الخلاصة:

الإسلام في جوهره دعوة دائمة للتحرر من الظلم، ولإقامة مجتمع يسوده العدل والكرامة. وفكر حزب البعث يؤكد أن المشروع القومي الناجح هو الذي يلتزم بهذه القيم. الأمة التي تجمع بين الإيمان بالحق والعمل من أجل الكرامة هي القادرة على تحقيق النهضة والحرية الحقيقية، كما جسدت الثورة الجزائرية بأبطالها ومجاهديها. وفي شهر رمضان المبارك، تتجلى قيمة الروح والحرية والدين في بناء الأمة، لتلهمنا القوة والتضحية لمستقبل أفضل.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.