*بقلم: البخيت النعيم عمر*
عند سماعي أن الموت غيب عبقرى الرواية السودانية والعربية، الطيب صالح، نظرت نحو أفق بعيد عن الذاكرة الثقافية والوطنية ووجه السودان الثقافي والحضاري الخارجي. فالروائي الطيب صالح كان يجسد هذه المعاني والمفردات، كان من الذين يمتثلون الفكرة النبيلة، كان شخصية استثنائية، تمتلك قدرات إبداعية ونقدية متميزة له قدرة على ممارسة العصف الذهني بشكل غير مسبوق، مثقف عميق الرؤية.
فالذي يقرأ قصصه ورواياته دومة ود حامد وعرس الزين وموسم الهجرة إلى الشمال ونخلة على الجدول وبندر شاه ومريود وضو البيت، يجد أن الروائي الطيب صالح يمتلك مشروعاً نهضوياً شاملاً لمعالجة إشكالية الواقع بين الأصالة والمعاصرة، فهو قارئ جيد للتاريخ، والحضارات، والفكر العربي والإسلامي وإشكاليات التقليد والحداثة، وكيفية الجمع بين استنهاض المجتمع وبين اقتباس أي رؤية نهضوية للإنتاج الإنساني، كيف، للإنسان السوداني، والعربي أن يستمد عناصر التقدم، والتقدم والعصر، عند الطيب صالح یعني وعياً بأسباب التخلف وكيفية تأسيس نسق معرفي وثقافي مغاير يستهدف تغيير نظرتنا للأشياء والواقع والمجتمع.
كان مفكرنا الراحل الطيب صالح يؤمن أن مماثلة المنتوج الغربي انسحاباً من مساحة الفعل الحضاري وإذعاناً لكل أشكال الهيمنة، وأن خطوات طريق التقدم يجب أن تتم عبر مواجهة حقيقية لذاتنا، وأن ندير حواراً متكافئاً مع الآخر، وأن التقدم، روزنامة شاملة وأن تقدم المجتمعات العربية متوقف على خلق مناخ تحررى وجدي، ذو نفس طويل وعميق.
كان يجعل من التاريخ الحي لحظات من التقدم والعطاء ويضع
معالجات من أجل أن يتحول الواقع العربي من سلوكيات
الاستهلاك والتبرير والتبذير إلى أخلاقيات الإنتاج الفكري
والثقافي والإبداعي ومجتمع المبادرة والمبادأة وأن يحل العلم والعقلانية، والبحث العلمي، محل الظلامية والانكفاء مثلما كان يحرص على ضرورة التنمية المتكافئة والمتوازنة والعدالة بين مكونات المجتمع العربي وسيلة أساسية للرقي.
ويتميز الفن الروائي للطيب صالح بالواقعية والخيال البعيد الأفق، حيث يزاوج بين الواقع المحلي والعالمي وبين الأصالة والمعاصرة، في جدلية إبداعية تؤكد عبقرية المفكر ومن خلال أعماله الكبيرة قدم مساهمات جادة وغير مسبوقة في تطور بناء الرواية السودانية والعربية والإفريقية ودفعها لآفاق الكونية مما جعل كثيراً من المؤسسات الثقافية والأكاديمية واتحاد الكتاب السودانيين يرشحونه لنيل جائزة نوبل في الأدب وهو حقاً يستحق ذلك.
وقد سبق أن فاز بجائزة ملتقى القاهرة الثالث للإبداع الروائي عام 2005م وقد اختيرت روايته موسم الهجرة إلى لشمال عام 2002م ضمن أفضل مائة رواية عالمية ومن كبار الكتاب، الذين ينتمون لأكثر من 54 دولة.
ويعتبر الأديب الطيب صالح من المثقفين الذين يشكلون حضوراً نوعيًا في مهرجانات عالمية وعربية خاصة في المغرب العربي ومهرجان، المربد الشعري العالمي بالعراق، المتألق دومًا، الذي يتوافد عليه مئات الأدباء والمثقفين والمفكرين والإعلاميين عرباً وأجانب، وغيرهم.ظل الأديب الطيب صالح يعطى المهرجان توهجاً وكان معجباً بالشعر الكلاسيكي الباهر، فيعتبر أبي الطيب المتنبئ هو شاعره الأول ولذلك أبعاد فلسفية وقيمية وإبداعية.
كان مستمعاً جيداً لقصائد المربد لأنها تكشف عن صورة شاملة لواقع الشعر العربي. حقاً كانت بغداد المتألقة أبدًا مركزاً محورياً للتحرك الجماعي العربي على مستوى المبدعين والمثقفين كان العراق في عهد الثورة النهضوية القومية وبغداد في زمانها الجميل ومربدها الحر ظاهرة تتجاوز التأكيد على مكانة الشعر والنقد والرواية في الثقافة العربية المعاصرة لتصل إلى مسألة جوهرية أخرى هي اقتناص المناسبات للبرهنة على أن المثقفين العرب وعلى رأسهم الروائي الطيب صالح ومحمد الفيتوري وعبد الرزاق عبد الواحد ومحمود
درویش، والشاعر عبدالناصر صالح، الملقب بشاعر الحرية بفلسطين، ومحي الدين فارس وسيف الدين الدسوقي وفضيلي جماع وغيرهم، قد اختاروا أن يعبروا بأنفسهم عن عاطفة جارفة وموقف قومي أصیل، ملتزم تجاه شعبنا العربي من المحيط إلى الخليج تجاوز حدود الكلمات هذا وقد أكد لي الشاعر المربدي التيجاني حسين دفع السيد صاحب ديوان الشمس والخبز والحرية» وشاعر قصيدة اسمعوها ألف مرة أننا لا نساوم ورسالة من غزة إلى جنرالات الجيوش العربية قال لي فى إفادة أن الروائي الطيب صالح كان ظاهرة وقارئاً ومستمعاً جيداً للشعر العربي القديم والحديث، حيث كان عند حضوره المربد يقرأ مع الشعراء
قصائدهم ولأول مرة يسمعها من المنصة حيث يكمل أبيات الشعر مع الشاعر وأكد قد حدث هذا له شخصياً في مهرجان المريد. هذا يؤكد أن الأديب الطيب صالح يمتلك خاصية البرهان النقدي والخيال وهو من دعاة أن يكون الشاعر مبدعاً وخلاقاً في مدرسة الشعر التقليدي والحداثوي.
الطيب صالح شخصية وطنية وقومية ويعتز بإسلامه حيث أكد في محاضراته أن السودان قطر عربي ومسلم وأن العروبة السودانية قضية مفروغ منها وأن العروبة قيمة وأن كل من يتحدث العربية فهو عربي. ومن خلال نظرة تاريخية قال في شمال السودان، قبائل نوبية وهي أعرق قبائل في وادي النيل، وأن هؤلاء أمة ورثت الحضارة الفرعونية القديمة وهم الآن عرب، إضافة لذلك نحن مسلمون وأن الحقيقة المهمة في السودان هو أن الإسلام دخله سلماً ولم يدخله حرباً وقال أن دخول العرب السودان بدأ بداية الفتح العربي لمصر، لأنه بعدما دخل عمر بن العاص مصر في خلافة سيدنا عثمان بن عفان دخل جيش عربي بقيادة عبد الله بن أبي السرح، ووجد ممالك مسيحية مستقرة ومتطورة ومتحضرة، فصالحهم العرب ولم يحاربوهم.ثم ظلت القبائل العربية تهاجر جنوباً وتدريجياً بدأ التزاوج بين العرب وبين قبائل النوبة إلى أن وصل الأمر للعرب وإلى المسلمين وتكونت عندنا دولة عربية إسلامية هي سنار، وسنار دولة كثير من المؤرخين اعتبروها تعويضاً عن ضياع الأندلس.
حين قامت في السودان هذه الدولة المسلمة العربية، التي كانت اتفاقا بين المجموعات العربية والإفريقية، نشأ عندنا في السودان إسلام تميز بروح التسامح لم يكن عندنا تشنج في أمور العقيدة وقال عندنا في أمدرمان، التي هي العاصمة الوطنية للسودان حيث يوجد بها حي كامل يسمونه المسالمة وأكد أن إسلامنا أخذ كثيراً من التراكمات الحضارية الموجودة في وادي النيل وأن ما يحدث الآن في السودان ضد طبيعة الأرض وطبيعة الحضارة التي أنشأناها على مدى قرون.
لذلك كان أستاذ الحضارات الطيب صالح مندهشاً عندما قال مقولته المشهورة في مجلة المجلة في بداية تسعينيات القرن الماضي عندما اختل ميزان السلطة وأُجهض المشروع الديمقراطي في السودان عام 1989م ، الذي كان نتاج ثورة شعبية تاريخية تساءل الروائي الكبير الطيب صالح «من أين جاء هؤلاء، أما أرضعتهم أمهاتنا في السودان، ألم يروا برق الصعيد يشيل ويخط؟ حيث كان موقفه موقف المثقف المنحاز للإرادة الجماهيرية ويقاوم السلطوية التي تكبل إرادة الجماهير وتهدد الموروث الثقافي والفكري والوحدوي والتماسك الاجتماعي ولا تؤمن بالآخر.
أستاذنا الطيب صالح رجل يهتم بقراءة التاريخ بعمق سوي
كانت الحضارة والتراث العربي الإسلامي أو التاريخ الأوروبي. فالذي يتابع كتاباته التاريخية خاصة في مجلة المجلة خاصة صفحتها الأخيرة المشهورة والمقروءة تحت عنوان «نحو أفق بعيد»، التي يكتبها بشكل راتب الطيب صالح حيث ناقش فيها أطروحات كثيرة ومنها التاريخ الأوروبي والاستعمار الفرنسى والبريطاني وكيف كانت تتكالب أوروبا على الاستعمار في القرن التاسع عشر وأن أغلب دول أوروبا حصلت على مستعمرات حتى هولندا والبرتقال وكيف كانت مساعي بلجيكا من أجل امتلاك
مستعمرة خاصة بها في إفريقيا أو الفلبين. ودور ملكها ليوبولد الثاني، الذي ورث عرش بلجيكا عام 1865م خلفاً لأبيه نيويولر الأول ففهم الروائي الطيب صالح للتاريخ الأوروبي وخطورة الاستعمار على دول الجنوب وصراع الحضارات والحياة، التي عاشها الروائي في دول الشمال لعشرات السنوات هي التي ساهمت بشكل أو بآخر في ممارسة العصف الذهني وولادة الأفكار الكبيرة كرواية موسم الهجرة إلى الشمال وعرس الزين وغيرهما. الطيب صالح يضع اعتباراً خاصاً للمرأة حيث جعل من الحضارة الإنسانية حضارة أنثوية ورأينا كيف دفع ببناته الثلاث إلى أرقى مراحل التعليم وقد أدهشني مقاله عن عودة القماري ووصفه الشفيف للشاعرة زينب بت صبير وصوتها الأسطوري العجيب وكيف بدت له تحت ضوء المصابيع وبين أشجار الطلح والنخل كطيف ملائكي في كرمكول البلدة، التي ترعرع فيها في شمال السودان.
الطيب صالح شخصية تمارس النقد وضد الصنمية الفكرية كما سماها المفكر فرنسيس بيكون أو المسرح الصنمي أي تلك الأخطاء التي يضع فيها أولئك الذين ينتمون إلى مدارس متباينة في الفكر فما أن يعتنق أحدنا مدرسة فكرية أو أيدلوجيا أو مذهباً أو رأياً حتى يكف عن إعادة النظر أو التأكد مما إذا كان هذا الرأي صحيحاً أو زائفاً مفيداً أو ضاراً طالما أنه يجد نفسه في حالة تطابق مع الأصنام الفكرية أو الطائفة التي تمثله وتتحرك على الحياة، إذن الطيب صالح رمز للاستقلالية المعتدلة وكثيراً ما يصف الشخصية السودانية أنها شخصية «معتدلة مثلما هو رجل ترحال دائم وقلق، وكثيراً ما يردد مقولته القدم له رافع».
الجمعة 2009/2/20م عاد الروائي العالمي الطيب صالح إلى
مثواه الأبدي في مقابر البكري في المدينة الرمز أمدرمان المدينة، التي عشقها الطيب صالح لأنه يدرك أنها تمثل عزة السودان وتفوح منها رائحة التاريخ والأصالة وهي المدينة التي تبارى في تخليدها الشعراء وقد قال عنها الشاعر خليل فرح:
ويح قلبي الما انفك خافق
فارق أمدرمان باکي شافق
يا أم القبائل ما فيك منافق
سقى أرضيك صوب الغمام
من فتيح للخور للمغالق
من علايل أبروف للمزالق
قدلة يامولاي حافي حالق
بالطريق الشاق الترام
وقال عن أمدرمان الشاعر عبد المنعم عبد الحي
أنا أمدرمان تأمل في نجومي
أنا السودان تمثل في ربوعي
أنا ابن الشمال سكنتو قلبي
على ابن الجنوب ضميت ضلوعي
استقبلت أمدرمان ابنها الرمز الروائي الطيب صالح في مشهد جماهيري غير مسبوق ضم كل عناوين ورموز المجتمع السياسي والثقافي والاجتماعي والإعلامي والديني يتقدمهم رموز الدولة، والسيد الإمام الصادق المهدى ود. إدريس البنا ود. الباقر أحمد عبد الله والجراح أحمد عبد الله الشيخ ود. سليمان محمد الديبلو والخبير الإعلامي علي شمو والفنان الدكتور عبد القادر سالم والدكتورة سارة نقد الله ود. إبراهيم دقش والإعلامي كمال حسن بخيت والأديب عالم عباس والمسرحي على مهدي وآلاف المشيعين وقد ألقى الأستاذ عبد الباسط عبد الماجد ود. حسن أبشر الطيب وشقيق المرحوم بشير صالح كلمات رثاء أكدت أن غياب الطيب صالح سوف يشكل فراغاً كبيراً لوجه السودان الحضاري الخارجي ثم رفعت المدينة الرمز يدها للسماء لله أن يدخله جنات النعيم والفردوس.

Leave a Reply