هموم: محمد الأمين: إرث عصي يحمي نفسه من التقليد

صحيفة الهدف

مجدي علي

في الحقيقة، أنا مع البيان الصادر عن أسرة الموسيقار الراحل محمد الأمين، ومع رفض أي تعدٍ على إرثه الفني الكبير، ومع حماية كل ما أنجزه هذا الفنان العظيم من أعمال تحمل توقيعًا لا يمكن تقليده أو محاكاته.

الإعلان التحذيري القانوني الذي أصدرته الأسرة، ورغم اعترافنا بحقهم القانوني فيه، حوى صرامة كبيرة وتعميمًا أحيانًا يخل بحق الجمهور ويحد من استمتاعه بإرث محمد الأمين، عندما يشدد على كل المنافذ ووسائل الإعلام، منصات التواصل الاجتماعي، الإذاعة، التلفزيون، أو الفعاليات العامة والخاصة، مع الإشارة إلى عواقب مالية وجنائية صارمة لكل من يتعدى على حقوق الملكية الفكرية. صحيح أن القانون يحمي هذه الحقوق، لكن التطبيق الصارم على كل التفاصيل أحيانًا يمكن أن يبدو مبالغًا فيه إذا نظرنا إلى الغاية الكبرى: الحفاظ على الفن نفسه واستمتاع الجمهور به.

لا خلاف أن محمد الأمين قمة فنية عالية يصعب صعودها، وهو أيضًا قيمة فنية دقيقة وحساسة، وإبداعه امتد عبر سنوات من العمل المضني. ولا خلاف أن منجزاته من ألحان وأغانٍ تفصح عن اجتهاد لا يضاهيه أي فنان في تاريخ الغناء السوداني على الإطلاق. كل لحن وكل جملة موسيقية صاغها الفنان على مقاس صوته وعلى امتداد مساحاته، بحيث تصبح هذه الأعمال عصية على التقليد، وتخاطب المستمع بروح واحدة، كما لو أنها صُممت لتُغنى بصوت واحد فقط.

لكن، دعونا لا نركز على الجانب القانوني من البيان فقط، فهذا حق لا جدال فيه، ولنقف أيضًا مع البيان في احترام الفن ذاته. ولنقرأه من زاوية أخرى، أن محمد الأمين كان فنانًا حساسًا تجاه أعماله، لا يقبل الخطأ أو التقليد السطحي، ولا يتردد في حماية إرثه الفني السامق. عرف بانضباط شديد في التنفيذ الموسيقي، وكان هذا الانضباط جزءًا من شخصيته الفنية، قضية لا تلاعب فيها، ودليل على احترامه للفن وللمستمعين. وليس ببعيد أن نتذكر موقفه حين وقف الجمهور يغني إحدى أعماله على المسرح، وقال عبارته الشهيرة: “يا تغنوا أنتم، يا أغني أنا”، رسالة واضحة أنه لم يرغب يومًا في المساس بإبداعه، وأن إرثه هو إرث للفن قبل أن يكون للورثة فقط.

محمد الأمين كان كيانًا متكاملاً، مدرسة قائمة بذاتها. وضع المستمعين في مقام الاستماع والاستمتاع، وليس في مقام التقليد أو المغامرة. أي محاولة لتقليد أعماله أو أداءها دون فهم مفاتيحها الفنية تشبه السير نحو نار عالية.

بيان الورثة حق أصيل لا جدال حوله من الناحية القانونية والأخلاقية، أما بياننا نحن المستمعين فهو تقدير الفن واحترامه. والتأكيد أن محمد الأمين غير قابل للتقليد أو الاستنساخ، وأن أعماله ستظل صدًا أمام أي محاولة للمساس بها، ولا حاجة لتكرار التحذيرات القانونية لإثبات ذلك.

في الحقيقة، لا يقدر أحد على الغناء كما غنى محمد الأمين، ولا على محاكاة إحساسه أو دقة أدائه. كل أعماله، وكل طريقته، بمثابة تحذير صريح: لا يقترب أحد يحاول التقليد. هذا الإرث سيظل حيًّا، يحمي نفسه دون بيان  أو تحذير..

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.