ليلى صلاح
لدي حاسّتان أقوى من باقي الحواس، حاسّتان لا تمشيان على الأرض، بل تسيران داخلي؛ لا تشقان الطريق، بل تفتحه عديل. لا تطرقان الباب، بل يكونان الباب نفسه. أقصد حاسّتي السمع والشم، نفقان يسريان تحت الزمن.
قبل قليل، تسلّلت أغنية “أو تذكرين صغيرتي” لأبو داود، فسقطت فيها، ولم أعد هنا، كنت هناك في نهاية الثمانينيات، في قرية معتوق. ضوء القمرة يمشّط البيوت الطينية البسيطة.. صبية بقصّة في الغرة، كأنها وعد لم يكتمل.
فستاني المدرسي الأزرق له ذاكرة خاصة، ياقته البيضاء جناح حمامة ضلّت طريقها. كنت أحب هذا الثوب بالتحديد، قصّته كانت مختلفة عن باقي فساتين البنات ذات الاستايل المتشابه، كان هدية لا أعرف ممن.
بيت خالتي حرم وعم عبد الله الزين دافئ وواسع كقلب أم.. جيرانهم، نسيت اسم العائلة، لكن كان ممتلئًا بالبنات اللواتي حملن جميعًا أسماء زهور: نرجس، ياسمين، ورود.. لا تنمو إلا في ضحكات البنات. كان بيتًا معبّأ بالحب والكرم.
ذهبت معهم يومها لحفلة عرس، جلسنا متقاربات وقلوبنا الصغيرة تهفو.. ثم تعالى الصوت. ليس غناءً، بل نداء. ليس موسيقى، بل يد خفية تمسك بكتفي وتديرني نحو الكون. كانت أغنية “أو تذكرين صغيرتي”. كنت أسمعها لأول مرة، وعلقت في روحي من يومها.
أماني، زميلتي في المتوسطة، كانت مهووسة بأغاني محمد الأمين. لديها دفتر طويل عليه رسومات قلوب وسهام، ضمّ كل أشعار أغاني محمد الأمين. حفظناها معها: “ذات الشجون”، و”قلنا ما ممكن تسافر”. الآن، عندما أسمع أغاني محمد الأمين بكبسة زر، أعود إلى مدرسة خليل المتوسطة، للصف الثالث، إلى الكنبة المطلة على الشباك، والأمنيات الخفية التي تتسلّل راغبة في الركض نحو العالم برفقة أميمة الجاك، مها مبارك، وصال الأمين، صباح خليفة.. أغنية “لمحتك” تنقلني إلى السوق العربي، ولرفقة انتصار صديق وسلمى السيد وجامعة النيلين.
السمع لا يسمع، السمع يستحضر. أما الشم فهو أخطر.. الرائحة لا تذكر، الرائحة تستدعي. تمر رائحة عطر فألتفت كمن ناداه اسمه القديم، رائحة قماش، رائحة خشب، رائحة بيت.. لم أعد أعرف عنوانه، لكن جسدي يعرف طريقه. أستطيع أن أنسى الوجوه، لكن لا أنسى روائح أصحابها. بعض البشر لهم أسماء في سجلات العالم، ولهم أسماء أخرى في أنفي.
الإنسان كائن غريب يمشي للأمام، وحنينه يمشي للخلف.. يحاول أن يعيش الآن، لكن أغنية عابرة أو عطر مار يسحبه من ياقة روحه، فيكتشف أن الزمن ليس خطًا، بل دائرة، وأن الحواس ليست حواسًا، بل مفاتيح خفية لبيوت ما زالت تسكننا، ولأشخاص يسكنوننا دون إذن ولا استئذان. أشخاص لا يعودون حين نناديهم، لكنهم يعودون حين تمر أغنية أو رائحة، أشخاص خبأناهم في درج الروح، وأغلقنا عليهم بحجّة النسيان.. فإذا بالصوت مفتاح، وإذا بالعطر باب، وإذا بنا نحن البيت الذي لم يغادروه قط.
أشخاص يمرّون في الذاكرة فلا نرتبك، لكن تمرّ أغنية سمعناها برفقتهم، أو أثر عطرهم، فنرتبك.. كأن الزمن تعثّر وسقطت منه السنوات فجأة، فنراهم كما كانوا لا كما صاروا. نراهم يضحكون في أماكن لم تعد موجودة، ويجلسون في مقاعد أخذها الغياب.
الحنين لا يأتي من الفقد، بل من الاستحضار.. ولا يولد من البعد، بل من اقتراب خفي لا تراه العين، بل تسمعه الأذن وتلتقطه الروح قبل الأنف. ولهذا، كلما مرّت أغنية أو مر عطر خفيف، شعرنا أن العالم اتّسع فجأة، ثم ضاق حتى صار قلبًا واحدًا يتنفسهم ويتنفسنا معًا.
بعض البشر لا يُحفظون في الذاكرة، بل في الحواس. لذلك أصبحت أسمّي الأشخاص إمّا بأغنية أو برائحة عطر. فالذين عبروا روحي وتركوا أثرًا لا يُرى، أعلّقهم في الهواء كبخور لا ينطفئ.
أما أولئك الذين كسروا شيئًا في داخلي، فلا أسمّيهم أبدًا.. أتركهم بلا اسم، كي لا تستدلّ عليهم ذاكرتي إذا اشتاقت إلى الألم.

Leave a Reply