الديمقراطية في فكر البعث المعاصر: شرطُ التحرّر لا ترفُ ما بعده قراءة فكرية في بيان المؤتمر القومي الثالث عشر

صحيفة الهدف

أ. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة

كثيرًا ما جرى تقديم الديمقراطية في الخطاب العربي إمّا بوصفها ترفًا مؤجَّلًا إلى ما بعد التحرّر، أو كسلعة مستوردة تُفرض من الخارج باسم (الإصلاح). وبين هذين التشويهين، ضاع المعنى الحقيقي للديمقراطية بوصفها شرطًا للتحرّر ذاته، لا نتيجة له.

من هنا تأتي أهمية ما يطرحه بيان المؤتمر القومي الثالث عشر لحزب البعث العربي الاشتراكي، المنعقد في يناير 2026 تحت شعار: (استنهاض الأمة والثبات على العهد النضالي والوفاء لشهداء الحزب والأمة). في لحظة عربية بالغة التعقيد، تتسم بتصاعد العدوان الص.هيوني وتوسع مشاريع التفتيت، يعيد البيان ربط الديمقراطية بالمشروع القومي ربطًا عضويًا، لا تكتيكيًا ولا تجميليًا.

ينطلق البيان من حقيقة باتت مؤكدة بالتجربة، وهي أن الاستبداد الداخلي لم يكن يومًا سدًّا في وجه الهيمنة الخارجية، بل كان أحد أدواتها الأكثر فاعلية. فالدولة التي تُدار بالقمع تُفرّغ المجتمع من طاقته، وتكسر ثقته بذاته، وتجعل مقاومته هشّة، ومبادراته قصيرة النفس. ولهذا، فإن الفصل بين التحرّر القومي والتحرّر الديمقراطي لم ينتج سوى دول ضعيفة، وأوطان منكسرة، ومجتمعات قابلة للاختراق. ويؤكد البيان هذا المعنى بوضوح بأن الدولة التي تُدار بالقمع تُفرّغ المجتمع من طاقته، وتكسر ثقته بذاته.

في فكر البعث، كما يعيد المؤتمر القومي الثالث عشر تأكيده، لا تُفهم الديمقراطية بوصفها إجراءً انتخابيًا فحسب، ولا كآلية تداول شكلية للسلطة، بل كـ منظومة شاملة لتحرير الإرادة الشعبية. لقد نصّ دستور حزب البعث العربي الاشتراكي منذ تأسيسه على أن الحرية حق مقدس، وأن الشعب مصدر السلطات، وأن الديمقراطية هي التعبير المؤسسي عن إرادة الأمة. غير أن الممارسة التاريخية مرت بتحولات معقدة، ارتبطت بظروف الصراع الإقليمي والانقلابات العسكرية وبنية الدولة القطرية الناشئة. بالتالي فإن إعادة قراءة هذا الإرث شرط لفهم التطور الحالي في الخطاب الديمقراطي للحزب. فالديمقراطية هنا تعني:

1. مشاركة حقيقية في القرار،

2. مساءلة للسلطة لا تقديس لها،

3. واعترافًا بالتعدد داخل الوحدة.

أولا: الديمقراطية الداخلية:( شرط المصداقية): تكمن أهمية ما يشير إليه البيان من ضرورة (إعادة بناء هياكل الحزب على أسس أكثر مرونة وفاعلية). فالمرونة تعني أيضاً ديمقراطية داخلية، تداول حقيقي للقيادة، ونقد ذاتي لا يخشى المواجهة. فالديمقراطية التي تبدأ من داخل الحزب هي وحدها القادرة على أن تكون نموذجاً يُحتذى، لا شعاراً يُرفع. بهذا المعنى، تصبح الديمقراطية شرطًا لإنتاج الوعي، لا مجرد إطار لإدارته. ويزداد البيان وضوحاً حين يربط بين الديمقراطية ومقاومة الهيمنة من خلال (لا يمكن أن تكون الديمقراطية في السياق العربي بلا موقف من قضايا الأمة الكبرى).

ويرفض البيان الثنائية الزائفة التي طالما قُدّمت بين (الأمن) و(الحرية)، أو بين (الاستقرار) و(الديمقراطية). وإن السيادة الوطنية لا تتناقض مع الديمقراطية، بل تتعزز بها. فالدولة التي تستند إلى مشاركة شعبية حقيقية تمتلك قدرة أكبر على مقاومة الضغوط الخارجية، لأن شرعيتها داخلية لا مفروضة.  فالاستقرار الذي يقوم على القمع هو استقرار هشّ، مؤجَّل الانفجار، والدولة التي تُقصي شعبها تفقد تدريجيًا قدرتها على الدفاع عن سيادتها. ومن هنا، فإن الديمقراطية ليست تهديدًا للدولة الوطنية، بل شرط بقائها واستمرارها.

ثانياً: الديمقراطية بين القطرية والوحدة: تُطرح إشكالية دقيقة في الفكر القومي المعاصر: كيف تُمارَس الديمقراطية في إطار الدولة القطرية، دون أن تتحول إلى انكفاء قطري يناقض المشروع الوحدوي الأشمل؟ الواقع أن الدولة القطرية، رغم نشأتها في سياق التجزئة، أصبحت الإطار السياسي والقانوني القائم الذي تُدار من خلاله حياة المواطنين. ومن ثمّ، فإن أي ممارسة ديمقراطية لا بد أن تنطلق من هذا الإطار الواقعي. غير أن الانطلاق من القطرية لا يعني تكريسها كأفق نهائي، بل التعامل معها كمرحلة تنظيمية في سياق تاريخي أوسع.

فالديمقراطية القطرية، إذا فُهمت باعتبارها تمكيناً للشعب في كل قطر من إدارة شؤونه بحرية، لا تتعارض مع المشروع القومي، بل تؤسس له. فالوحدة القومية لا يمكن أن تُبنى على أنظمة مغلقة أو مجتمعات مقموعة، لأن الوحدة بين كيانات غير ديمقراطية تعيد إنتاج الاستبداد على مستوى أوسع.

بهذا المعنى، تصبح الديمقراطية داخل كل قطر شرطاً لبناء وحدة عربية قائمة على إرادة الشعب، لا على قرارات فوقية. فالانتقال من القطرية إلى الوحدة لا يكون بإلغاء المجال الديمقراطي، بل بتوسيعه تدريجياً عبر صيغ تكاملية واقعية (اقتصادية، ثقافية، تشريعية)، تمهّد لوحدة تقوم على الشرعية الشعبية لا على الإكراه السياسي.

كما يلفت المؤتمر القومي الثالث عشر إلى أن الديمقراطية، حين تُفصل عن بعدها الاجتماعي، تتحول إلى قشرة فارغة. فحرية بلا عدالة اجتماعية، ومشاركة بلا كرامة اقتصادية، ليست ديمقراطية حقيقية، بل إعادة إنتاج للهيمنة بأدوات ناعمة. ولهذا، يربط البيان بين الديمقراطية والتحرّر من التبعية الاقتصادية، وبين الحرية السياسية والحق في العيش الكريم. فالديمقراطية الحقيقية تقتضي:

1. اقتصاداً وطنياً، لا تخضع قراراته لإملاءات (خارجية)، صندوق النقد الدولي وغيره.

2. عدالة ضريبية، تفرض ضرائب تصاعدية على الثروات الكبيرة.

3. خدمات عامة، مجانية وعالية الجودة (تعليم، صحة) تكافئ الفرص.

4. حماية للفقراء والمهمشين، من جشع السوق غير المنضبط.

هذا هو البعد الاجتماعي للديمقراطية، الذي يميزها عن الليبرالية الشكلية، ويجعل منها مشروع تحرر شامل، لا مجرد إجراءات انتخابية.

وفي مواجهة الطرح الليبرالي الذي يقدّم الديمقراطية كقيمة محايدة، يصرّ البيان على أن الديمقراطية في السياق العربي لا يمكن أن تكون بلا موقف من قضايا الأمة الكبرى. فديمقراطية تتعايش مع الاحتلال، أو تبرّر التطبيع، أو تصمت على تفكيك الدولة، هي ديمقراطية منزوعة الروح. فالديمقراطية، في فكر البعث، منحازة بطبيعتها للتحرّر، للوحدة، وللكرامة الوطنية.

كما أظهرت تجارب الدولة القطرية العربية أن الخصخصة غير المنضبطة، وتحرير السوق دون ضوابط اجتماعية، أدّيا إلى اتساع الفجوة الطبقية، ما أضعف الثقة بالسياسة نفسها.

وتكتسب هذه الرؤية أهميتها في لحظة عربية تشهد انهيار الثقة بالسياسة، وتراجع الإيمان بالفعل الجماعي، وصعود أشكال من العنف واليأس. فحين تُغلق أبواب المشاركة السلمية، لا تختفي السياسة، بل تعود في أشكال مشوّهة، أكثر خطورة على المجتمع والدولة معًا. ولذلك، فإن فتح المجال الديمقراطي ليس تنازلًا، بل استثمارًا في الاستقرار طويل الأمد.

إن المؤتمر القومي الثالث عشر، بإعادة تأكيده على الديمقراطية، لا يقدّم وعدًا سهلًا، ولا طريقًا مختصرًا، بل يطرح خيارًا صعبًا لكنه ضروري، وهو ألا تحرّر بلا حرية، ولا مقاومة مستدامة بلا شعب شريك، ولا وحدة بلا تعددية واعية. فالديمقراطية ليست مرحلة لاحقة، بل جزء من المعركة ذاتها.

ثالثاً: الديمقراطية والمقاومة المسلحة: يُثار سؤال معقّد في السياق العربي: هل تتعارض الديمقراطية مع المقاومة المسلحة ضد الاحتلال أو العدوان؟ فالتمييز هنا ضروري بين حالتين: حالة الدولة المستقرة، وحالة التحرر من احتلال مباشر. في حالات الاحتلال، تنشأ أشكال مقاومة قد تتخذ طابعاً مسلحاً بوصفه تعبيراً عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، وهو حق معترف به في القانون الدولي. غير أن شرعية المقاومة لا تُعفيها من الحاجة إلى سند شعبي ورقابة مجتمعية تمنع تحولها إلى سلطة مغلقة.

التجربة التاريخية تُظهر أن المقاومة التي تنفصل عن المجتمع، أو تحتكر القرار باسم الضرورة الأمنية، قد تنزلق إلى إعادة إنتاج بنى غير ديمقراطية. أما المقاومة المرتبطة بإرادة شعبية حقيقية، والخاضعة لمساءلة سياسية، فهي الأقرب إلى حماية المشروع التحرري من التشوه الداخلي.

الديمقراطية، في هذا السياق، لا تُناقض خيار المقاومة، لكنها تضع له ضوابط أخلاقية وسياسية، في أن يبقى القرار الوطني ملكاً للشعب، وألا يتحول السلاح من أداة دفاع إلى أداة إقصاء داخلي. وهكذا، تصبح العلاقة بين الديمقراطية والمقاومة علاقة تكامل مشروط، لا تضاداً مطلقاً.

رابعاً: آليات التحول: من الفكرة إلى الممارسة: طرح البيان للديمقراطية كشرط للتحرّر يظل ناقصاً دون آليات تحققه. يمكن استخلاص بعض المؤشرات العملية:

1. على المستوى الدستوري: الفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، وضمانات للحريات الأساسية.

2. على المستوى السياسي: تعددية حقيقية، وتداول سلمي للسلطة، ومشاركة شعبية فاعلة.

3. على المستوى الاجتماعي: عدالة توزيع الثروة، وتكافؤ فرص، وحماية للفئات المهمشة.

4. على المستوى الثقافي: تعليم وطني منتج للوعي، وإعلام حر ومسؤول، وفضاءات للنقاش العام.

5. الديمقراطية الرقمية: لا يمكن الحديث عن ديمقراطية معاصرة دون إدراك التحول العميق الذي أحدثته البيئة الرقمية في تشكيل المجال العام. فالإعلام الرقمي لم يعد مجرد وسيلة نقل، بل أصبح فضاءً لتكوين الرأي، وتنظيم المبادرات، ومراقبة السلطة. في السياق العربي، يمثل الفضاء الرقمي أحد أبرز مساحات التعبير للشباب، الذين يشكلون غالبية سكانية في معظم الأقطار العربية. غير أن هذه المساحة، رغم اتساعها، تعاني من تحديات التضليل الإعلامي، والاستقطاب الحاد، واستخدام التكنولوجيا للمراقبة بدل التمكين. فالديمقراطية الرقمية لا تعني فقط حرية النشر، بل تعني شفافية تداول المعلومات، وحماية الخصوصية، وإتاحة البيانات العامة، وتمكين المواطنين من المشاركة في النقاش وصنع القرار عبر أدوات تكنولوجية حديثة. فإن إدماج التكنولوجيا في العمل السياسي لا يجب أن يكون تجميلياً، بل جزءاً من إعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة، بحيث يصبح الفضاء الرقمي امتداداً للمجال الديمقراطي، لا بديلاً هشاً عنه.

فهذه الآليات ليست كماليات، بل هي الضمانة الوحيدة لأن تتحول الديمقراطية من خطاب إلى واقع.

خامساً: مقارنة تحليلية بين النماذج الأربعة: لفهم موقع الديمقراطية في المشروع القومي، لا بد من التمييز بين أربع تصورات رئيسية:

1. الديمقراطية الليبرالية: تركز على الحريات الفردية، وتداول السلطة عبر الانتخابات، وفصل السلطات. غير أن هذا النموذج، حين يُفصل عن العدالة الاجتماعية، قد ينتج تفاوتاً اقتصادياً واسعاً يُضعف المساواة الفعلية بين المواطنين.

2. الديمقراطية الاجتماعية: تضيف إلى الحريات السياسية بُعداً اجتماعياً واضحاً، فتربط الديمقراطية بإعادة توزيع الثروة، وحماية الفئات الأضعف، وضمان الخدمات الأساسية. وهي تسعى إلى التوازن بين السوق والعدالة.

3. الديمقراطية التعددية: تقوم الديمقراطية التعددية على الاعتراف بالتنوع السياسي والفكري داخل المجتمع، وإتاحة المجال لتشكّل قوى وأحزاب متعددة تتنافس سلمياً ضمن إطار دستوري جامع. وهي تفترض أن الحقيقة السياسية ليست ملكاً لحزب واحد، وأن الاختلاف في الرأي لا يُعد تهديداً للوحدة، بل شرطاً لتجددها. في ضوء الرؤية القومية، لا تُفهم التعددية بوصفها تفتيتاً للإرادة الوطنية، بل تنظيماً ديمقراطياً لاختلافاتها. فالوحدة، في معناها العميق، لا تعني التطابق، بل الانسجام بين تنوع مشروع. ومن ثمّ، فإن التعددية السياسية تصبح وسيلة لتوسيع المشاركة الشعبية، وتصحيح المسار عبر التداول السلمي والنقد المتبادل، شريطة أن تُمارس ضمن ثوابت دستورية تحمي السيادة الوطنية، والهوية الجامعة، والسلم الأهلي. وبهذا المعنى، فإن الديمقراطية التعددية – كما يمكن تأصيلها في إطار قومي – لا تنفي وجود مشروع تاريخي للأمة، لكنها تمنع احتكاره من قبل قوة واحدة. فهي تفتح المجال أمام التنافس حول البرامج والسياسات، دون المساس بالمرتكزات الوطنية الكبرى، وبذلك توازن بين حرية الاختلاف ووحدة الاتجاه العام.

4. الديمقراطية القومية: تنطلق من أن الحرية الفردية والعدالة الاجتماعية لا تكتملان في سياق التبعية أو الاحتلال. فهي تضيف إلى البعدين السياسي والاجتماعي والتعددي، بُعد السيادة الوطنية والوحدة الثقافية، معتبرة أن الإرادة الشعبية لا تكون مكتملة إذا كانت خاضعة لإملاءات خارجية. بهذا المعنى، لا تنفي الديمقراطية القومية العناصر الإجرائية لليبرالية، ولا البعد الاجتماعي للديمقراطية الاجتماعية، ولا البعد التعددي للديمقراطية، لكنها تدمجها في أفق تحرري أشمل يربط الحرية بالسيادة، والمشاركة بالانتماء، والدولة بالمشروع التاريخي للأمة.

ويختتم البيان برؤية شاملة، بأن الديمقراطية ليست مرحلة لاحقة، بل جزء من المعركة ذاتها. وهكذا، تصبح الديمقراطية في فكر البعث ليست زينة خطابية، ولا استجابة لضغط خارجي، بل جوهر المشروع التحرّري، والضمانة الوحيدة لئلا يتحوّل النضال إلى سلطة جديدة، ولا تتحوّل الفكرة إلى قيد على أصحابها.

بهذا المعنى، لا تشكّل الديمقراطية القومية نفيًا للنماذج الأخرى، بل هي إطار جامع يعيد تركيب عناصرها في سياق تحرري شامل. إنها تؤكد أن الحرية بلا سيادة ناقصة، والسيادة بلا عدالة اجتماعية جوفاء، والعدالة بلا تعددية واعية قد تتحول إلى استبداد جديد. وهذا هو جوهر ما يعيد المؤتمر القومي الثالث عشر تأكيده، على أن الديمقراطية في فكر البعث المعاصر مشروع متكامل، لا خيار تكتيكي.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.