الشعب قال كلمتو رغم الرصاص

صحيفة الهدف

أمجد السيد

في لحظةٍ كان يُراد لها أن تكون عرضًا للصوت الواحد، انشقّ المشهد بصوتٍ آخر، واضحٍ كالرصاص

الشعب السوداني ضد الكيزان والجنجويد

لم تكن جملة عابرة، ولا هتافًا عفويًا في زحمة حشد كانت تكثيفًا لمزاج أمة، وتذكيرًا بأن الشعوب لا تُختصر في منصة، ولا تُختزل في ميكروفون.

ما حدث في تلك الواقعة ليس مجرد مقاطعة خطاب، بل كشفٌ سياسي عميق أن الرواية الرسمية  أيًّا كان قائلها  لا تستطيع القفز فوق ذاكرة الدم، ولا تجاوز تضحيات الشباب، ولا محو سنوات من الهتاف في الشوارع والساحات منذ ديسمبر المجيد. فالشعب الذي خرج مطالبًا بالحرية والسلام والعدالة، لم يبدّل شعاراته تحت هدير المدافع، ولم يساوم على مبادئه تحت ضغط الح.رب.

منذ اندلاع الح.رب بين الجيش و قوات الدع-م السريع، حاولت أطراف عديدة إعادة صياغة المشهد وكأن الصراع قد ألغى جذور الأزمة. لكن الحقيقة التي يكررها السودانيون في الداخل والشتات أن المعركة لم تبدأ في أبريل، بل بدأت يوم صرخ الناس في وجه منظومة الحركة المتأسلمة مطالبين بدولة مدنية تُنهي عقود التمكين والاستبداد.

الح.رب لم تُنسِ الناس شعاراتهم، بل زادتهم قناعة بأن السلاح حين ينفلت من عقال الدولة، يتحول إلى أداة ابتزاز سياسي. لذلك جاء الصوت من وسط الحضور كرصاصة مضادة

ضد الكيزان وضد الجنجويد.

ضد كل من صادر الدولة، وضد كل من صادر الثورة.

السياسة في السودان اليوم تعيش لحظة فرز أخلاقي. ليس كافيًا أن يُقال إن الشعب قال كلمته  فالشعب قالها منذ سنوات، ودفع ثمنها شهداء ومفقودين ومهجرين. القضية ليست في الادعاء بالحديث باسمه، بل في الانحياز الحقيقي لمطالبه.

الشعب السوداني الذي واجه الرصاص بصدور عارية، الذي تحمّل الاعتقال والتغييب القسري، الذي يعيش اليوم مآسي النزوح واللجوء، لم يمنح تفويضًا مفتوحًا لأحد. هو شعبٌ خبر الخداع السياسي، ويعرف الفرق بين خطاب يغازل الجماهير وخطاب يعبّر عنها.

رغم الق.تل والدمار، ما زال الوعي الجمعي متمسكًا بأهداف ثورة ديسمبر

دولة مدنية ديمقراطية

جيش واحد مهني بعيد عن السياسة

تفكيك منظومة الفساد والتمكين

العدالة للشهداء والمفقودين

الح.رب كشفت هشاشة البنية السياسية والعسكرية التي حكمت البلاد، لكنها في الوقت ذاته أعادت تثبيت الحقيقة لا مستقبل للسودان تحت وصاية البنادق، ولا شرعية لمن يعيد إنتاج الاستبداد باسم الأمن أو الاستقرار.

ذلك الصوت الذي خرج من بين الحضور لم يكن إساءة لشخص، بل كان رسالة لجيلٍ كامل من السياسيين

إن الثورة ليست حدثًا عابرًا، بل وعيًا متجذرًا.

وأن الشعب الذي أسقط رأس النظام قادر على إسقاط أي محاولة للالتفاف على إرادته.

السودان اليوم جريح، نعم.

منهك، نعم.

لكن إرادته لم تُكسر.

قد تُخرس المدافع المدن، لكن لا تستطيع إسكات ضمير شعب.

وقد تُشعل الح.رب نار الفتنة، لكنها لا تمحو ذاكرة الميادين.

الشعب السوداني ما زال متمسكًا بثورته.

ضد الكيزان وضد الجنجويد

ومع دولةٍ تُشبه حلم الشهداء.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.