التعليم في السودان: من نقوش “مروي” إلى “زلزال أبريل”.. سجلُّ الحضارة ومعركة البقاء
إعداد : ماجد الغوث
لا يمكن قراءة تاريخ السودان بمعزل عن تاريخ مؤسساته التعليمية؛ فالعلم في بلاد النيلين لم يكن يوماً ترفاً طارئاً، بل كان ركيزة وجودية صاغت وجدان الإنسان السوداني وهويته عبر العصور. اليوم، وبينما يمر السودان بمنعطف هو الأخطر في تاريخه الحديث، نفتح السجل الكامل للتعليم: من فجر المعرفة في الممالك القديمة، مروراً بصراعات السياسة والأدلجة، وصولاً إلى كارثة ح.رب أبريل 2023 التي هددت بمحو مستقبل أجيال بأكملها.
أولاً: فجر المعرفة والجذور التاريخية (السيادة المعرفية)
بدأت رحلة التنوير السودانية قبل آلاف السنين، حيث لم يكن التعليم وليد الورق والقلم الحديث، بل نُقش على جدران المعابد في مملكة كوش. كانت “مروي” منارة للعلم والثقافة، حيث طوّر السودانيون القدماء لغتهم الخاصة كتابةً وقراءة، مما جعلها مركزاً حضارياً جذب العلماء من شتى بقاع الأرض.
مع دخول الإسلام، تحول التعليم إلى نظام اجتماعي متكامل تقوده “الخلاوي”. هذه المؤسسة لم تكن مجرد مكان لتحفيظ القرآن، بل كانت “جامعات شعبية” علمت اللغة والحساب والمنطق، وغرست قيم التكافل. ظلت الخلاوي هي الصخرة التي تكسرت عليها محاولات طمس الهوية الوطنية إبان فترات الغزو والاستعمار.
ثانياً: التحول الحديث وفجر الديمقراطية (إرث الجودة والحرية)
مع مطلع القرن العشرين، دخل نظام التعليم الحديث عبر “مدرسة غوردون التذكارية”. ورغم أهداف الاستعمار الإدارية، إلا أن الوعي السوداني طوّر هذه المؤسسات لتصبح معاقل للحركة الوطنية.
بعد الاستقلال في عام 1956، عاش التعليم “عصره الذهبي” خلال فترات الحكم الديمقراطي:
• جامعة الخرطوم (الجميلة والمستحيلة): تمتعت باستقلالية أكاديمية كاملة، وكانت مصنعاً للقيادات الفكرية والسياسية في المنطقة العربية وأفريقيا.
• ريادة تعليم المرأة: بفضل رواد مثل الشيخ بابكر بدري، كان السودان سبّاقاً في الإيمان بأن تعليم الفتاة هو تعليم للأمة، مما خلق توازناً ثقافياً واجتماعياً فريداً.
• التميز النوعي: كانت الشهادة السودانية تُقبل في أرقى الجامعات العالمية (أوكسفورد ولندن) دون معادلة، لصرامة المناهج وجودة البيئة الأكاديمية.
ثالثاً: حقبة الحكم العسكري (1989-2019): صراع الكم والأدلجة
شهدت هذه الفترة تحولاً جذرياً تحت شعار “تغيير بنية المجتمع”:
1. ثورة التعليم العالي: تم افتتاح جامعات في كافة ولايات السودان، وهو ما حقق توسعاً جغرافياً كبيراً أتاح التعليم لأبناء الريف، لكنه جاء على حساب الجودة والبنية التحتية.
2. الأدلجة والتمكين: تم تسييس المؤسسات التعليمية، وتعريب المناهج الجامعية دون توفير مراجع كافية، مما أدى لنزيف “هجرة العقول” السودانية نحو الخارج بحثاً عن بيئة أكاديمية مستقلة.
3. تآكل المجانية: بدأ الدعم الحكومي يتقلص، وأصبح التعليم عبئاً مالياً على الأسر، مما زاد من الفوارق الطبقية في التحصيل المعرفي.
رابعاً: التشريح الهيكلي والأرقام (واقع ما قبل الكارثة)
وفقاً لإحصائيات 2018، كان الهيكل التعليمي يقف على الأرقام التالية:
• التعليم الأساسي: حوالي 19,429 مدرسة، لكن مع تفاوت حاد في الإمكانات بين المركز والأقاليم.
• التعليم المتوسط: حلقة وصل مفقودة تمت محاولة إحيائها بخطة طموحة لتحويل 469 مدرسة وتخصيص 15 ألف فصل جديد، مع عجز بشري هائل يقدر بـ 17,460 معلماً.
• التمويل: انخفض الإنفاق الحكومي إلى 2% من الناتج المحلي، مما جعل المدارس تعتمد بشكل شبه كلي على الرسوم الأسرية.
خامساً: زلزال أبريل 2023 والمشهد السياسي المعقد
لم تكن الح.رب التي اندلعت في أبريل 2023 مجرد صراع عسكري، بل كانت نتيجة لانسداد الأفق السياسي بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021 وفشل اتفاق البرهان-حمدوك.
التحليل السياسي للانهيار: تشير القراءات العميقة إلى أن الجماعات الإسلاموية لعبت دوراً محورياً في هندسة هذا المشهد. فبعد فترة من “الكمون”، استغلوا ضعف الحاضنة السياسية الانتقالية، واستخدموا طموح “حميدتي” (الذي وُصف بالكومبارس في هذه اللعبة) لإشعال الفوضى التي تمهد لعودتهم كمنقذين للدولة، مما أدى في النهاية إلى انفجار الأوضاع وحرق الأخضر واليابس، وكان التعليم هو الضحية الأولى.
فاتورة الح.رب التعليمية:
١١• 19 مليون طفل خارج مقاعد الدراسة.
• 10,400 مدرسة أُغلقت أو دُمّرت أو تحولت لثكنات عسكرية ومراكز إيواء.
• الانهيار الاقتصادي: قفز الدولار إلى 3660 جنيه، مما جعل تكلفة المستلزمات المدرسية تفوق قدرة 90% من الشعب السوداني.
سادساً: رؤية الإنقاذ واستشراف المستقبل (2026 وما بعدها)
إن استعادة “نور العلم” في السودان تتطلب استراتيجية “طوارئ وطنية”:
1. أمن المعلم أولاً: ضمان رواتب المعلمين وحمايتهم، فهم حراس العقل السوداني.
2. التعليم الرقمي والبديل: اعتماد المنصات الإلكترونية والتعليم عن بُعد كحلول عاجلة لتعويض سنوات الفقد لطلاب النازحين واللاجئين.
3. إعادة بناء الهيكل: إحياء مشروع “التعليم المتوسط” وتحديث المناهج لتواكب اقتصاد 2026، والتركيز على التعليم التقني لانتشال الشباب من دوامة العنف والبطالة.
4. استقلالية المعرفة: ضرورة إبعاد التعليم عن التجاذبات السياسية والإيديولوجية لضمان بناء “مواطن” منتمٍ لوطنه وليس لتنظيم.
خاتمة الوثيقة
إن تاريخ السودان الممتد من “مروي” يؤكد حقيقة واحدة: السودانيون يمرضون بالعلم ولا يموتون بالجهل. إن حماية 19 مليون حلم هي المعركة الحقيقية التي يجب أن يصطف خلفها الجميع. فإذا كانت الحرب قد دمرت الجدران، فإن صمود المعلمين والطلاب هو الضمان الوحيد بأن السودان وطنٌ لا تموت بصيرته، وأن فجر التنوير سيبزغ حتماً من تحت الأنقاض.

Leave a Reply