أيام البشير تعود؟ إعادة تعيين مدير الأراضي يثير الجدل

صحيفة الهدف

#الهدف_تحقيقات

تداولت مواقع إخبارية محلية أن رئيس الوزراء قدم اعتذارًا رسميًا لمدير أراضي الخرطوم، الأستاذ آيات الله محمد الحافظ، وألغى قرار الإيقاف وأعاد تعيينه في منصبه، في خطوة أثارت جدلًا واسعًا حول مدى احترام القانون ومحاسبة المسؤولين.

وفي وقت سابق، نشر موقع “فايف دبليوز نيوز” أن مدير الأراضي رفض طلبًا لتخليص إجراءات بيع أرض مقدمًا من مندوب عن عضو مجلس السيادة الدكتورة سلمى عبد الجبار، لوجود قرار رسمي بإيقاف معاملات الأراضي الاستثمارية صادر من والي الخرطوم. وحتى الآن، لم تصدر أي جهة رسمية ما يؤكد أو ينفي الخبر، ما يجعل الموقف مفتوحًا على التكهنات، لكن إذا ثبتت صحة ما نُشر من اعتذار وإعادة تعيين وجلسة صلح، فإن الأمر يعيد إلى الأذهان أساليب إدارة السلطة التي عرفتها البلاد في عهد البشير، والتي دفع ثمنها السودانيون لاحقًا في صراعات وحروب داخلية.

تذكّر هذه الأحداث طريقة البشير في معالجة مشكلات كبار الضباط، مثل تصالح حميدتي مع هارون وتصويرهما متصافحين أمام الكاميرات، وسياسة “خلوها مستورة” بعد اتهامات علي الحاج، والتي ساهمت في خلق بيئة من الإفلات من المحاسبة. ويؤكد مسؤولون سابقون في لجان محاسبة اختلاسات البنوك في زمن الإخوان المسلمين أن كبار الموظفين غالبًا ما يبررون تجاوزاتهم بعبارة “الشيطان يا مولانا”، قبل أن تُجرى تسويات لاسترداد أصل الأموال وترك الأرباح، سواء كانت عمارة أو شركة أو ممتلكات أخرى، وهو ما يعكس ضعف الرقابة وغياب المحاسبة الحقيقية.

لم تكن هذه الممارسات مقتصرة على البنوك فقط، فقد شهدت السنوات الماضية العديد من الأحداث التي تظهر التباين في التعامل مع القوي والضعيف. تصريحات أمين حسن عمر حول عدم محاسبة أعضاء المؤتمر الوطني، وعبارته في لقاء على تلفزيون السودان حول عدم تقديم الفاسدين للمحاكم: “إنتو عايزننا نعاقب ناسنا ونعلنها عشان تلقوا جنازة وتشبعوا فيها لطم”، توضح كيف أصبح التجاهل وعدم المحاسبة سمة متكررة. وفي اجتماع الحركة الإسلامية، أشار علي عثمان محمد طه إلى عدم معاقبة جماعتهم على محاولة انقلاب فاشلة، مؤكّدًا أنهم أعدموا 28 ضابطًا قاموا بنفس العمل، قبل أن يتدخل أمين حسن عمر مستعطفًا وباكيا: “ديل إخوانا”، فتصدرت القاعة هتافات “الله أكبر”.

حتى أمثلة صغار الموظفين تكشف حجم الفجوة في تطبيق القانون، ففي الآونة الأخيرة اكتُشف أن موظف تحصيل صغير يمتلك أكثر من تريليون جنيه في حسابه البنكي، وهو مبلغ هائل بالنقد فقط، مما يطرح أسئلة أكبر عن العقارات والممتلكات المملوكة لمسؤولين آخرين. وفي سياق مشابه، حكاية جرجس الذي حوكم وأعدم بسبب دولارات ورثها عن والده، لتكشف لاحقًا لجنة إزالة التمكين أن أكبر متعامل مع تجار العملة كان عمر البشير وحاشيته، ما يسلط الضوء على مدى التداخل بين السلطة والمال، والتمييز الواضح في تطبيق القانون بين الضعيف والقوي.

إذا ثبت أن أي عضو في مجلس السيادة تجاوز القانون، فهذا هو الاختبار الحقيقي لقدرة المؤسسات على تطبيق العدالة دون تمييز، وإلا ستظل سياسات الإفلات من المحاسبة موروثًا تاريخيًا يعيد نفسه مع كل حدث جديد، تاركًا المواطنين أمام حقيقة مفادها أن السلطة فوق القانون، وأن العدالة تبقى شعارًا بلا مضمون.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.