قراءة في كتاب: (فخ العولمة: الاعتداء على الديمقراطية والرفاهية) (1)       

صحيفة الهدف

المحرر الاقتصادي

تأليف: هانس بيتر مارتن وهارالد شومان- صدر عام 1996 – ترجمة: سعد راشد حسب النبي

في نهاية سبتمبر من عام 1995، وفي فندق (الفيرمونت) الفخم الواقع في كاليفورنيا، حضر ميخائيل غورباتشوف، بعد أن منحه أثرياء أمريكيون تبرعات مالية لتأسيس معهد للدراسات، اجتماعًا دعا إليه نحو 500 من قادة العالم في مجالات السياسة والاقتصاد والمال والتقنية الحديثة.

انعقد الاجتماع لمدة ثلاثة أيام في الفندق، وأُطلق عليه اسم “اجتماع هيئة الخبراء”، وكانت مهمته المعلنة رسم معالم الطريق إلى القرن الحادي والعشرين وإلى حضارة جديدة. ولم يُسمح بحضور وسائل الإعلام إلا لثلاثة صحفيين فقط.

في الفيرمونت، رُسمت الخطوط العريضة لنظام اجتماعي جديد، ودون مواربة تقرّر أن هذا النظام سيكون نظامًا اجتماعيًا لبلدان ثرية من دون طبقة وسطى تُذكر، بعد أن خلص المجتمعون إلى أن دولة الرفاه في العالم المتقدم باتت تهدد المستقبل، وأن قدرًا من اللا مساواة الاجتماعية أصبح أمرًا لا مناص منه، نتيجة تحوّل العالم، بفضل التكنولوجيا، والاتصالات العالمية، وانخفاض تكاليف النقل، وحرية التجارة العالمية، إلى سوق واحدة أدت إلى منافسة حادة في سوق السلع وسوق العمل.

وبمعنى واضح، جرى اتخاذ قرار بالتخلّي عن العقد الاجتماعي غير المكتوب الذي طبقته دولة الرفاه، خصوصًا في أوروبا وألمانيا على وجه التحديد، ذلك العقد الذي أرسى الرفاهية وحقّق قدرًا من المساواة الاجتماعية بين العاملين.

وباختصار، رسم اجتماع الفيرمونت ملامح النظام الاجتماعي الجديد، وقام على ركيزتين أساسيتين: الأولى: مجتمع الخُمس. والثانية Tittytainment وقد طرح هذه الكلمة زبيغنيو بريجنسكي في ذلك الاجتماع، وهي مركبة من كلمتيTitty  وتعني حلمة الثدي، وEntertainment وتعني التسلية. وشرح بريجنسكي المقصود بقوله: بقليل من الحليب الفائض من لبن الأم، وكثير من التسلية، يمكن تهدئة خواطر أربعة أخماس سكان المعمورة المحبطين.

تلك كانت مقدمة كتاب بعنوان (فخ العولمة: الاعتداء على الديمقراطية والرفاهية)، الذي صدر عام 1996 من تأليف الكاتبين هانس بيتر مارتن وهارالد شومان، وطُبع أولًا باللغة الألمانية، ثم تُرجم لاحقًا عن طريق مؤسسة (عالم المعرفة) الكويتية.

في تقديري، يمثل هذا الكتاب أهمية خاصة، لا سيما في هذه الأيام، وذلك من زاويتين: الأولى، أنه يقدم وجهة نظر أوروبية عميقة، موسوعية، واعية، وذات نزعة إنسانية واضحة. والثانية، أنه يتناول قضية العولمة وتأثيراتها على الواقع الأوروبي والأمريكي.

استهل المترجم الكتاب بملخص اقتُطفت منه النقاط الآتية:

أولى الطروحات التي يقدمها الكتاب هي أن العولمة، ومن خلال السياسات الليبرالية الحديثة، ترسم صورة مستقبلية تعيدنا إلى الماضي السحيق للرأسمالية. وبمعنى أدق، فإن العولمة تمثل ردة إلى الوراء، إلى مرحلة توحش الرأسمالية في بداياتها. ويضيف المؤلفان أنه بعد قرن طغت فيه الأفكار الاشتراكية والديمقراطية ومبادئ العدالة الاجتماعية، تلوح الآن حركة مضادة تقتلع ما حققته الطبقة الوسطى والعمال في العالم المتقدم من مكتسبات.

فزيادة البطالة في أوروبا، وانخفاض الأجور، وتقلص الخدمات الاجتماعية، وهيمنة أخلاقيات آليات السوق، وابتعاد الدولة عن التدخل في النشاط الاقتصادي، واتساع الفجوة في توزيع الدخل والثروة بين المواطنين، كل هذه الظواهر ليست في حقيقتها سوى عودة إلى الأوضاع نفسها التي رافقت البدايات الأولى للنظام الرأسمالي خلال مرحلة الثورة الصناعية (1750 -1850).

ويرى المؤلفان أن هذه الأوضاع مرشحة لمزيد من التدهور مع السرعة التي تتحرك بها عجلات الليبرالية الجديدة في الوقت الراهن. ويبدو المستقبل قاتمًا، إذ قد يتحوّل إلى صورة من الماضي المتوحش للرأسمالية في فجر نشأتها، إذا ما استمرت الأمور على منوالها الحالي. ويشير الكاتبان إلى أنه في القرن القادم سيكون هناك 20% من السكان ينعمون بالرفاهية، مقابل 80% فائضين عن الحاجة، لا يستطيعون العيش إلا عبر الإحسان والتبرعات، ومن خلال آليةTittytainment  التي تحدث عنها بريجنسكي.

وإزاء هذا التدهور في أوضاع العمال والطبقة الوسطى ومختلف الشرائح الاجتماعية، يتحدث المؤلفان عن ما أسمياه (ديكتاتورية السوق والعولمة)، وذلك في ضوء ما يروّج له منظّرو العولمة من أفكار وسياسات ذات طابع شمولي، غير ديمقراطي، وغير مبرر علميًا. ومن ذلك القول بأن مراعاة البعد الاجتماعي واحتياجات الفقراء أصبحت عبئًا لا يُحتمل، وأن دولة الرفاه تهدد المستقبل، وأنها لم تكن سوى تنازل من رأس المال فرضته ظروف الحرب الباردة، وبعد انتهائها لم يعد هناك ما يبرر هذا التنازل.

كما يروجون لفكرة أن على كل فرد أن يتحمل قدرًا من التضحية لكسب المعركة في ساحة المنافسة الدولية، أو الادعاء بأن قدرًا من اللا مساواة بات أمرًا لا مفر منه.

وقد وجدت هذه الأفكار انعكاسها الواضح في السياسات الاقتصادية الليبرالية التي تُطبَّق اليوم في مختلف دول العالم، دون موافقة حقيقية من الشعوب عليها.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.