السنهوري ورسالة الصمود: هندسة التوازن القومي في زمن التكالب على الأمة

صحيفة الهدف

 

بقلم: ماجد الغوث

بينما نودع اليوم الرفيق المناضل الجسور فيصل حسن التجاني، الذي رحل عنا ثابتاً على العهد، تجد أعيننا ترنو بتقدير عميق نحو تلك المدرسة النضالية التي تخرج منها، التي يقود دفّتها اليوم الأستاذ علي الريح السنهوري. إن رحيل فيصل ليس مجرد فقد لرفيق، بل هو استذكار لمسيرة جيل كامل من “الجيل الجديد” الذي صاغ السنهوري ملامحه بالحزم والوعي في أحلك الظروف، التي تكالبت فيها الأمم على أمتنا العربية.

1997: معركة الروح والمبادئ

في عام 1997، حين خيّم فتور الهمة وتسلل التراخي إلى بعض المفاصل، لم يكن الأستاذ السنهوري مجرد قيادي تنظيمي، بل كان حارساً للفكرة. تصدى بكل اقتدار للتكتلات التي كادت أن تخلط الأوراق وتحدث التباساً في فهم العلاقة العضوية بين “الهم الوطني السوداني” و”البعد القومي العربي”. لقد كان إدراكه مبكراً بأن وهن الداخل هو الثغرة التي ينفذ منها الأعداء، فكان حزمه بمثابة إعادة الروح لمنظومة النضال.

2003: الصمود في وجه “الزلزال الأكبر”

عندما احتلت أمريكا بغداد في عام 2003، ظن الكثيرون أن المشروع القومي قد وري الثرى، وتكالبت القوى الدولية والإقليمية لتحويل الساحة السودانية إلى مرتع لمشاريع التصفية والتخريب. هنا برز السنهوري كـ “رجل المرحلة” بامتياز. في تلك اللحظة الفارقة، قام بدور تاريخي في “تعديل كفة الميزان الأخلاقي والسياسي”.

لقد واجه السنهوري تلك الهجمة الشرسة بوعي استثنائي، مانعاً اختراق الساحة القومية السودانية، وحامياً للحزب من الانجراف وراء دعوات اليأس أو التبعية للمشاريع الغريبة عن هوية الأمة العربية والإسلامية. لم يكن مجرد تصدٍ سياسي، بل كان معركة “إثبات وجود” لأمة يراد لها الفناء.

ميزان الحزم والاقتدار

إن ما يميز تجربة السنهوري هو قدرته على القيادة في ظروف “الاستهداف الكلي”. ففي الوقت الذي يتحدث فيه البعض عن الاقتصاد كأرقام استهلاكية، كان السنهوري يرى الاقتصاد والسياسة من منظار “السيادة”. وكما أشرنا دوماً، فإن الاقتصاد الحقيقي هو “زراعة وصناعة ومعادن”، وهي ذاتها أعمدة الاستقلال التي ناضل السنهوري لتبقى قراراً وطنياً خالصاً بعيداً عن “رياح مؤامرات العدوان”.

خاتمة: المسؤولية الكبرى

إننا اليوم أمام مسؤولية كبرى؛ فالتحديات التي واجهها السنهوري في 1997 و2003 لا تزال قائمة بأشكال جديدة وأكثر ضراوة. إن الوفاء لذكرى الفقيد فيصل التجاني ولتاريخ الأستاذ السنهوري يتطلب منا استلهام ذلك الإرث من “الحزم والوعي”.

المسؤولية تحتم علينا ألا نقبل بأنصاف الحلول، وأن ندرك أن السودان، كجزء لا يتجزأ من حراك الأمة العربية، يحتاج إلى ذلك الميزان الأخلاقي الذي وضعه السنهوري، لنعبر من ضيق التآمر إلى رحاب السيادة والكرامة. إنها معركة بناء الإنسان قبل بناء المؤسسات، ومعركة الوعي التي بدأها هؤلاء الرجال ولن تنتهي إلا بانتصار إرادة الشعب

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.