كلمة العدد: السودان بين الحـ.رب والانهيار الاقتصادي

صحيفة الهدف

ليس ثمة وجعٌ يفوق مرارة أن يستيقظ شعبٌ ليجد حاضره قد سُلب، ومستقبله قد اختُطف في لحظة غفلة من الزمن. هذا هو المشهد الجنائزي الذي يتجرعه السودان اليوم؛ حيث لم تعد الحـ.رب التي اندلعت في أبريل 2023 مجرد صراعٍ عابر على السلطة، بل تحولت إلى “مقصلة” تستنزف عصب الحياة الاقتصادية، وتغتال قدرة المجتمع على التنفس الطبيعي.

إن الاقتصاد السوداني اليوم ليس مجرد أرقام في ميزانيات خاسرة، بل هو ذاك الجسد المنهك الذي يقاتل في الرمق الأخير ليبقى على قيد الحياة. العملة الوطنية تسقط كأوراق الخريف بعد أن فقدت كرامتها الشرائية، والأسعار تركض بمتوالية هندسية مجنونة، تسبق بمسافات ضوئية قدرة البسطاء على اللحاق برغيف الخبز. إن حـ.رب الخامس عشر من أبريل لا تكتفي بتمزيق الأجساد بالرصاص، بل تشنق الأمل وهي تغلق أبواب المصانع، وتنتزع المحاريث من أيدي المزارعين، لتدفع بملايين الأسر نحو دهاليز العوز والمسغبة.

الخطر الحقيقي لا يكمن في دوي المدافع، بل في الصمت الذي يسبق الجوع؛ إذ استُحيل الحزام الزراعي إلى مسرحٍ للمـ.وت، مما أدى إلى شللٍ تام في أوردة الإنتاج. وفي ظل غياب الدولة، صار الغذاء -ذلك الحق القدسي- رهينةً في قبضة المجموعات المسلحة، وسلعةً نادرة تُقايض في ظروفٍ استثنائية قاسية، وكأن لقمة العيش أصبحت جريمة في زمن الحـ.رب.

وفي الوقت ذاته، يتجرع السودان مرارة النكوص عن التعهدات الدولية، حيث توقفت المساعدات، وتبخرت وعود إعفاء الديون، وأوصدت نوافذ التمويل الخارجي أبوابها أمام بلدٍ لا يُسمع فيه سوى النحيب. وباتت المشروعات التي كانت يوماً حلماً للاستثمار، مجرد أطلالٍ تشهد على عزلةٍ خانقة لا تسندها أي شبكة أمان.

ومن رحم هذا الركام، نبت طفيليّ “اقتصاد الظل”؛ حيث تتسرب كنوز البلاد الذهب المستخرج تهريباً عبر الحدود، بعيداً عن أعين القنوات الرسمية أو قل بتواطوء من (السوس) داخلها، لتستقر في جيوب أمراء الحـ.رب، وتتحول موارد الشعب إلى وقودٍ يحرق ما تبقى من ملامح الوطن.

أما الوجع الذي لا تدركه الإحصائيات، فهو ذاك الذي يسكن ملامح جيلٍ من الأطفال؛ جيلٌ يرى المدارس موصدة، والتعليم معلقاً في مشنقة النزوح. هنا، لا يُهدم الحاضر فقط، بل يتم وأد المستقبل بدمٍ بارد، حين يجد الصغار أنفسهم في مواجهة شظف العمل ومهانته، بدلاً من مقاعد الدراسة.

إنه لا استقامة لأي نبضٍ اقتصادي ما لم تصمت المدافع أولاً. ولا جدوى من خطط الإنقاذ ما لم تسترد الدولة هيبتها المغتصبة، ويُحرر الاقتصاد من أغلال العسكر، لتعود الموارد إلى أصحابها الحقيقيين. السودان لم يكن يوماً فقيراً، لكنه استُنزف في صراعٍ عبثي على ثرواته.

وعندما تضع الحـ.رب أوزارها ذات يوم، سيكون السؤال (كيف نبعثُ من بين الأنقاض اقتصاداً دمره الحقد؟ ولعل الإجابة تبدأ بأن ينتصر منطق الحياة على شهوة المـ.وت، وأن يعود الاقتصاد ليكون محراباً لخدمة الإنسان، لا تابعاً ذليلاً لفوهة السلاح.

#ملف_الهدف_الاقتصادي #صحيفة_الهدف #السودان #لا_للحـ.رب #الإنسان_هو_الرقيب #الاقتصاد_السوداني

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.