قلم : أ. طارق عبد اللطيف أبو عكرمة
ليست مقولة الأستاذ ميشيل عفلق: (الوطنية السودانية هي العروبة، والعروبة السودانية هي الإسلام في جوهره) عبارة إنشائية أو توصيفًا هوياتيًا سطحيًا، كما يُراد أحيانًا تصويرها، بل هي خلاصة رؤية فلسفية–تاريخية عميقة، تنطلق من فهم جدلي لمعنى الأمة، والدين، والتاريخ، والخصوصية القطرية. وهي مقولة لا تُفهم إلا إذا نُزعت من التداول الشِعاري، وأُعيدت إلى سياقها الفكري الذي يرى الهوية فعلَ تشكّلٍ تاريخي، لا بطاقة تعريف جامدة.
أولًا: الوطنية بوصفها وعيًا تاريخيًا لا انغلاقًا قطريًا: في فكر الأستاذ ميشيل عفلق، لا تُختزل الوطنية في حدود الدولة القطرية، ولا تُلغى فيها الخصوصية المحلية. الوطنية، في معناها العميق، هي وعي الإنسان بجذوره التاريخية، وبمجاله الحضاري والثقافي، وبمصيره المشترك مع الآخرين. ومن هذا المنطلق، فإن الوطنية السودانية – إذا أُريد لها أن تكون وعيًا لا انعزالًا – لا يمكن فصلها عن المجال الحضاري العربي الذي تشكّل السودان في قلبه، لا على هامشه.
السودان لم يكن يومًا كيانًا طارئًا على التاريخ العربي، بل كان فضاء تفاعل حيّ بين العروبة وإفريقيا، بين النيل والصحراء، بين اللغة والدين والعادات. وعليه، فإن القول إن الوطنية السودانية هي العروبة لا يعني إنكار التعدد أو الخصوصية، بل يعني أن العروبة هي الإطار الحضاري الذي أعطى لهذه الخصوصية معناها التاريخي، وفتح لها أفق الانتماء الأوسع.
العروبة هنا ليست نسبًا ولا عِرقًا، بل انتماء ثقافي–تاريخي تشكّل عبر اللغة، والتفاعل، والمصير المشترك. ومن دون هذا الإطار، تتحول الوطنية إلى انغلاق، أو إلى هوية دفاعية خائفة من ذاتها.
ثانيًا: العروبة السودانية:( خصوصية داخل الكل لا خارجه): لم ينظر الأستاذ ميشيل عفلق إلى العروبة بوصفها قالبًا واحدًا يُصبّ فيه الجميع، بل بوصفها كيانًا حيًا يتجلّى بطرق متعددة داخل الأقطار. والعروبة السودانية، في هذا المعنى، ليست نسخة من عروبة المشرق، ولا امتدادًا ميكانيكيًا لها، بل تعبير خاص عن الروح العربية في سياق إفريقي–نيلي مميّز.
وهنا تبرز أهمية السودان في الفكر القومي: فهو يُسقط وهم العروبة العرقية، ويؤكد أن العروبة الحقيقية لا تقوم إلا بالاختلاط، والتفاعل، والتاريخ المشترك. السودان، بتكوينه الاجتماعي والثقافي، يقدّم نموذجًا لعروبة غير إقصائية، عروبة تشكّلت بالاندماج لا بالإحلال، وبالتراكم الحضاري والثقافي لا بالهيمنة. من هذا المنظور، فإن العروبة السودانية ليست نقيض الإفريقية، بل أحد أشكال تَمثُّلها داخل أفق حضاري أوسع.
ثالثًا: الإسلام في فكر الأستاذ ميشيل عفلق: (جوهر روحي لا دولة دينية): أما الشق الثاني من المقولة – (العروبة السودانية هو الإسلام في جوهره) – فلا يُفهم إلا إذا استُحضر فهم الأستاذ ميشيل عفلق للإسلام بوصفه حدثًا روحيًا–حضاريًا، لا مجرد منظومة تشريعية أو سلطة سياسية. فالإسلام، في رؤيته، هو التجلي الأعلى للروح العربية في لحظة تاريخية كبرى، وهو الذي منح العروبة بعدها الأخلاقي والإنساني والعالمي.
غير أن فهم الإسلام في أفق فكر الأستاذ ميشيل عفلق لا يكتمل إذا جرى تجريده في بُعدٍ أخلاقي صرف، وكأنه منظومة قيم وعظية فحسب. فالإسلام، قبل أن يكون أخلاقًا، كان ثورةً على كل ما هو ظالم وغير إنساني في واقع العرب والإنسان آنذاك. لقد جاء ليحرّر الإنسان من الخوف، ومن العبودية لغير الحق، ومن الخضوع لقوى الاستبداد الاجتماعي والسياسي والروحي.
وقبل ثورية الإسلام وأخلاقيته، كان مصدر انبعاث الإنسان ذاته، عبر إعادة ترسيخ الفطرة الإنسانية الأولى المتمثلة في الإيمان؛ ذلك الإيمان الذي أعاد للإنسان وعيه بذاته، وبكرامته، وبقدرته على الفعل في التاريخ. ومن هذا الإيمان تشكّلت شخصية الأمة العربية، وتأهّل إنسانها لأداء دوره الحضاري الرسالي المنفتح على العالم.
ومن هنا يمكن فهم نظرة البعث إلى العلاقة بين الحضارات بوصفها علاقة التقاء وتفاعل وحوار، لا صراع وإقصاء. فحين ينطلق الإنسان من إيمان يحرّره ويمنحه الثقة برسالته، يصبح قادرًا على التواصل مع الآخر دون خوف أو ذوبان. وعلى النقيض من ذلك، نشأت في الفكر الغربي الرأسمالي تصورات مثل (صراع الحضارات) و(نهاية التاريخ)، التي تعكس رؤية قلقة ترى العلاقة بين الأمم بوصفها تنازعًا لا تعارفًا، وصدامًا لا حوارًا.
في السودان تحديدًا، لم يكن الإسلام عامل قسر أو إلغاء، بل كان إطارًا جامعًا أعاد تنظيم التعدد داخل منظومة قيمية مشتركة. لقد صهر الإسلام الوجدان السوداني، لا بإلغاء خصوصياته، بل بإدخالها في أفق أخلاقي أوسع، يقوم على العدالة، والكرامة، والتكافل، ومعنى الاستخلاف.
ومن هنا، فإن القول إن الإسلام هو جوهر العروبة السودانية لا يعني أسلمة السياسة، ولا اختزال الهوية في الدين، بل يعني أن القيم التي شكّلت العروبة في السودان – التسامح، الروح الجماعية، مركزية الأخلاق – هي قيم تشكّلت تاريخيًا داخل الأفق الإسلامي.
وهنا يظهر الفرق الجوهري بين فهم الأستاذ ميشيل عفلق للإسلام كجوهر أخلاقي–حضاري، وتجربة الإسلام السياسي في السودان التي حولت الدين إلى أداة حكم وأحيانًا إلى مصدر انقسام. فالمقولة تدعو إلى استعادة البعد القيمي الجامع للإسلام، لا إلى أسلمة الدولة أو المجتمع قسرًا.
ولا يعني هذا الفهم للعروبة والإسلام إقصاء المكوّنات غير العربية أو غير المسلمة في السودان، بل على العكس، يفترض هذا التصور أن الهوية الجامعة لا تُبنى بالإلغاء، بل بالاعتراف، وأن الانتماء الحضاري لا يتناقض مع التعدد الثقافي والديني، بل يمنحه إطارًا أخلاقيًا وتنظيميًا يمنع تحوّله إلى صراع.
رابعًا: ضد سوء الفهم: (لا عروبة إقصائية ولا إسلام وظيفي): أخطر ما تتعرض له هذه المقولة هو إخراجها من سياقها الفلسفي، وتحويلها إلى أداة إقصاء أو تبرير للهيمنة. فالعروبة التي دافع عنها الأستاذ ميشيل عفلق هي عروبة تحررية، إنسانية، منفتحة، لا تعادي التعدد ولا تخشاه. والإسلام الذي رآه جوهرًا للعروبة هو إسلام القيم والرسالة، لا إسلام التوظيف السياسي أو القهر الثقافي.
وفي السودان، لم تكن أزمة الهوية ناتجة عن العروبة أو الإسلام، بل عن سوء إدارتهما سياسيًا، وعن تحويلهما من إطار جامع إلى أدوات صراع. فحين تُفرَّغ العروبة من بعدها الإنساني، ويُختزل الإسلام في السلطة، يتحولان من عامل توحيد إلى مصدر انقسام.
واليوم، وقد عاش السودان تجارب مريرة من الح.روب والانقسامات، تظهر الحاجة الملحة لهذا الفهم الجامع للهوية. فالمشكلة لم تكن في العروبة أو الإسلام كجوهر، بل في تحويلهما إلى أدوات صراع وهيمنة. إن استعادة الروح التحررية الجامعة في مقولة الأستاذ ميشيل عفلق يمكن أن تكون مدخلاً لحوار وطني يجمع ولا يفرق، يعترف بالتعددية داخل الوحدة.
خاتمة: (نحو فهم تحرري للهوية السودانية): إن مقولة الأستاذ ميشيل عفلق، حين تُقرأ بعمق، لا تُغلق الهوية السودانية، بل تفتحها. إنها دعوة لفهم الوطنية بوصفها انتماءً حيًا، والعروبة بوصفها أفقًا حضاريًا، والإسلام بوصفه جوهرًا أخلاقيًا لا أداة إقصاء. فالوطنية السودانية، حين تنفصل عن عمقها العربي، تفقد بعدها التاريخي. والعروبة، حين تنفصل عن قيمها الإسلامية الإنسانية، تفقد روحها. والإسلام، حين يُفصل عن وظيفته الأخلاقية الجامعة، يفقد معناه الرسالي.
هكذا فقط يمكن فهم المقولة لا كشعار، بل كمشروع وعي: وعيٌ يرى في السودان جسرًا حضاريًا، لا ساحة صراع هوياتي، ويرى في العروبة إطارًا تحرريًا، لا هوية مغلقة، وفي الإسلام جوهرًا أخلاقيًا، لا سلطة سياسية. وذلك، في جوهره، هو معنى القومية العربية كما أرادها الأستاذ ميشيل عفلق: مشروع إنسان قبل أن يكون مشروع دولة.

Leave a Reply