مجدي علي
طويلٌ تاريخ الغناء في السودان، وحاشدٌ بالمئات من الأصوات والتجارب، غير أن محمود عبد العزيز لم يكن مجرد مغنٍ أحبّه الناس لصوته الطروب فحسب؛ فالمتتبع لمسيرته يجزم بأنه شكّل ظاهرةً فنية وثقافية وإنسانية متكاملة، تخلّقت في المسافة النادرة بين الفن والوجدان العام، وبين الموسيقى والاحتجاج، وبين الإذعان والتمرّد. لذلك لا تبدو استعادته في ذكراه فعلَ حنينٍ عاطفي لفنان “غنّاي” فقط، بل مناسبة للتأمل في معنى أن يتحوّل الفنان إلى ظاهرة، وأن يصبح مصدر إلهام يقود دون شعار أو أمر مباشر.
منذ ظهوره في تسعينيات القرن الماضي، “وهي حقبة مظلمة الله لا عادها”، شقّ محمود عبد العزيز مساره خارج القوالب السائدة فنياً واجتماعياً وسياسياً. مزجه لإيقاعات وقوالب موسيقية متباينة لم يكن خياراً جمالياً محضاً، بل موقفاً فنياً وثقافياً واعياً، عكس قدراته الهائلة في دروب النغم، وكشف عن حساسية عالية تجاه التنوع والانفتاح. أما تمرّده على القوالب الاجتماعية والسياسية ومحاولات ضمّه للقطيع، فكان إعلاناً عن حلمه بعالم أوسع، وبوطن متخيّل أكثر حرية وانفتاحاً وتسامحاً مع الاختلاف؛ لذلك بدا (الحوت) رمزاً لسودان آخر يتّسع للتنوع ويحتفي بالحرية.
لم يكن محمود خطيباً سياسياً، ولم يرفع شعارات تقود المجتمع، غير أن حضوره وشخصيته، على تواضعها وخجلها، كانا فعل مقاومة. ففي زمن ضاقت فيه مساحات التعبير، اختار هو البقاء داخل السودان، واستمر في الغناء رغم الاعتقالات والملاحقات والمنع الإعلامي، ودفع ثمن ذلك من حريته وسلامته وحتى سمعته. تلك الشجاعة اليومية غير المعلنة جعلت فنه يتجاوز الترفيه، ليغدو أداة لبناء وعي جماعي خفي، وها هو باقٍ في الفضاء والذاكرة حتى بعد رحيله.
أما جمهوره، فلم يكن جمهوراً عابراً، بل جماعة وجدانية تشكّلت حول قيم الحرية والاختلاف والحق في الفرح. وحين اندلعت ثورة ديسمبر، تحوّلت (أقمار الضواحي) من رابطة معجبين إلى كيان ثقافي واجتماعي فاعل، وظهر (الحواتة) في طليعة الاحتجاجات، حاملين صوره ومردّدين أغنياته بوصفها ذاكرة مشتركة ونشيداً للحياة. لم يكن كثير من هؤلاء الشباب منخرطين تنظيمياً في السياسة، بل خرجوا بدافع شعور عميق بالاختناق والظلم، تشكّل عبر سنوات الإصغاء إلى صوت علّمهم، دون خطاب مباشر، أن يكونوا أنفسهم.
وهكذا تؤكد تجربة محمود عبد العزيز، مع تطاول سنين الظلم والتيه، أن جذوة الثورة كامنة، وأن إشعالها قد يسهم فيه فنان مختلف، قادر على صناعة وعي وبناء حساسية أخلاقية تتجاوز المألوف. ذكرى محمود عبد العزيز لا تُستعاد بوصفها مجرد ذكرى فنان شاطر، بل باعتباره فكرة فنان مختلف.. وربما شرارة لثورات ستأتي..
#ملف_الهدف_الثقافي #محمود_عبد_العزيز #الحوت #الحواتة #مجدي_علي #صحيفة_الهدف #السودان

Leave a Reply