مصطفى سيد أحمد.. حين يصبح الصوت جسرًا للروح

صحيفة الهدف

يوسف الغوث

اتفق كثير من الناس على أن الصوت البشري الجميل يشكّل جسرًا يربط بين عوالم الروح وعوالم الحواس؛ فالصوت مفتاح للوجد ومرآة للجمال الإلهي. ويقول ابن عربي إن الصوت والنغمات امتدادٌ وتجلٍّ للكنه الإلهي، وإن الصوت الشجي يحمل تذبذباتٍ سماوية تُوظِّف النفس، حتى إن الوحي الإلهي نفسه يمكن إدراكه كلحنٍ ربّاني.

ويرى كثير من المتصوّفة أن تصفية النفس من الشوائب المادية والشهوات تتم عبر السماع والإصغاء إلى الأصوات الشجية، باعتبار أن النفس البشرية قادرة على الاتصال بعالمها الروحي الأسمى. فالنفوس الصافية وحدها هي القادرة على إدراك ما يعتري الأشياء ويتغلغل حولها.

الصمت حِكمٌ واجب، لكنه ينتفي بوجود الصوت الشجي الجميل، لأن هذا الصوت خُلق الكلام من أجله. فالقيمة الجوهرية للصوت هي تجسيدٌ للجمال ذاته، وقد كان صوت الفنان مصطفى سيد أحمد المقبول لغةً للروح، تعجز كثير من المفردات عن بلوغ مداها.

وُلد الفنان مصطفى سيد أحمد عام 1953 في بيتٍ ريفي، وكان والده، سيد أحمد المقبول، فلاحًا بالفطرة. وقد قال عنه مصطفى: “لقد تعلّمت من أبي ما لم أجده في دور العلم، فقد كان في دواخلي كالزاد الذي لا ينفد في كل مراحل حياتي”.

درس مصطفى في المدارس الصناعية وكان متفوّقًا، إذ نال الترتيب الثاني على مستوى السودان في الشهادة الفنية. وبعد نيله الشهادة التحق بمعهد إعداد المعلّمين بأم درمان، حيث تخرّج وأصبح معلّمًا. وكان موهوبًا في مجال الرسم وفنون التشكيل، فقادته موهبته للعمل مصمّمًا للأقمشة في مصنع النسيج ببحري، ثم التحق لاحقاً بمعهد الموسيقى والمسرح (قسم الصوت).

له سبع أخوات وأخٌ واحد أصغر يُدعى المقبول، تُوفي في ريعان شبابه، وله من الأبناء سيد أحمد وسامر. واستقرّت أسرته في قرية ود سلفاب، الواقعة جنوب غرب الحصاحيصا.

عانى الفنان مصطفى كثيرًا من المـ.رض، إذ لازمه الفشل الكلوي لأكثر من خمسة عشر عامًا. وقد أجرى عملية زراعة كُلى في روسيا أواخر ثمانينيات القرن الماضي، لكنه تعرّض لانتكاسة شديدة عام 1993 في القاهرة، فانتقل بعدها إلى الدوحة، حيث أقام إلى أن توفّاه الله مساء الأربعاء الموافق 17 يناير 1996.

كانت علاقة مصطفى بالوطن والشعب علاقةً عميقة وجدلية؛ فقد كان غناؤه مرآةً لآلام الناس ووجعهم، وصوتًا لضمير الأمة. استمدّ إلهامه من معاناة الجماهير والبسطاء وهموم الوطن، فجاء فنه تعبيرًا صادقاً استمدّ ديمومته وحيويته من قضايا المرأة والأطفال، ومن الحنين والاغتراب.

اكتسب الفنان مصطفى سيد أحمد شهرته من قلوب الجماهير، لأن صوته جسّد بصدق تحديات الشعب ومعاناته. كما عمل على تغيير نمطية صورة الفنان في المجتمع، جامعًا بين قضايا الناس وهمومهم والتعبير عنها برؤية مختلفة.

كان مصطفى منغمسًا في همومه الذاتية وأحزانٍ عامة، يتألّم لها وبها، حتى صار صوته ملاذًا وجدانيًا لجيلٍ كامل.

اللهم اغفر للفنان مصطفى سيد أحمد، فنان الكلمة والمواقف.

#ملف_الهدف_الثقافي #مصطفى_سيد_أحمد #يوسف_الغوث #ود_سلفاب #صحيفة_الهدف #السودان

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.