حوار: خضر عطا المنّان
الواقع أن يوم الأربعاء، المصادف 17 يناير 1996م، يشكّل علامةً فارقة في تاريخ الأغنية السودانية؛ إنّه يوم رحيل هذا الفنان الإنسان، الذي شغل الساحة الغنائية السودانية حيًّا وميتًا على حدّ سواء. ولأنّه حيّ يسعى بين محبّيه وعشّاق فنه، رغم الغياب الأبدي، بما تركه من إرثٍ فنيٍّ أثرى به المكتبة الغنائية السودانية، ولأنّه رمزٌ خالد في سماوات الفن الغنائي، ولأن ما خلّفه من فنٍّ وقيمٍ يجري في عروقنا مجرى الدم، ولأنّه كان دومًا آخر المتكلّمين بيننا تأدّبًا وتحسّبًا وتألقًا وعمقًا وشفافية، ولأنّه كان كلّ ذلك؛ ها نحن هنا نتيح له الفرصة، هذه المرّة، كي يتكلّم لنا بنفسه الأبيّة وصوته المتعب.
وجاء في ذلك الجواز: الاسم: مصطفى سيد أحمد المقبول المهنة: مغنٍ ومؤلّف موسيقي مكان وتاريخ الميلاد: ود سلفاب، 1953م
ها هو هنا يتحدّث إلينا ونحن كلّنا آذانٌ صاغية، لنرى كيف كان هذا المرهف يفكّر، وكيف كان يرى الأشياء من حوله وهو على فراش المـ.رض الأخير. وقد جاء ذلك في آخر حوارٍ صحفيٍّ له كنتُ قد أجريتُه معه قبل وفاته بأيامٍ قليلة، عام 1996، ونُشر بصحيفة (الاتحاد) الظبيانية، ثم بصحيفة (الاتحادي الدولية) المعارضة التي كانت تصدر بالقاهرة آنذاك. فإلى مضابط ذلك الحوار، الذي أُعيد هنا اليوم على شرف الذكرى الرابعة عشرة لرحيله؛ وهو حوار لم يكن طويلًا، بالعرف الصحفي المتعارف عليه، لكنه كان عميقًا، لما يتّسم به فناننا الراحل من دقّة اختيار الكلمات وبُعد الأفكار:
الفنان حالة خاصّة، والفن رسالة إنسانية.. فكيف يكون الالتحام بين الحالة والرسالة؟
- من أنواع الذكاء: الذكاء الناقد، الذكاء العملي، والذكاء الخلّاق. وعليه، فإن خصوصية الفنان تأتي من انتخاب الطبيعة له، بتأهيله بنوعٍ من الذكاء الخلّاق، وكلّ ذلك يتبدّى من نشاطه كإنسان؛ أي يسعى لتحقيق إنسانيته من خلال تفاعله مزوّدًا بهذا التأهيل الفطري. خصوصية حالته تأتي في إطار سعيه لتحقيق إنسانيته وذاته، وفي ذلك علاقة عضوية تنفي أن تكون حالته منفصلة عن رسالته.
أين ترسو اليوم مركب تجربتك مع الغناء والموسيقى؟
- هي تجربة تتوالد أبعادها من أبعاد، حيث إن القضايا ما زالت ساخنة وكثيرة، والتفاعل مع الحياة قائم ولم يفتر بعد، كما أنّ البيئة مليئة وثرية.
أين وكيف ترى الوطن في ظل الظروف القائمة حاليًا؟
- أرى أنّ الوطن يدخل في تحدٍّ كبير؛ فبالرغم من قسوة التجربة على الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، إلّا أنّ لها ما بعدها. إذ تسهم التجربة في إسقاط كثير من الأقنعة (مع وضد)، وما بعدها يتجاوز كلّ هذه الأقنعة، مترسّمًا ملامح واضحة ومحدّدة لا تطولها المغالطات. أي بمعنى آخر، إنّها مرحلة هدم وبناء، ليس على مستوى الظرف الحالي فقط، بل على مستوى مفاهيم الماضي وما اعتراها من تخلخل ومراجعة، وكذلك المفاهيم المطروحة الآن، وما سقط منها كشعارات كذّبها الواقع خلال الممارسة اليومية، وما يتبلور من رؤى جديدة تقود خطوات التغيير.
الوطن والحرية.. الغربة والإبداع.. ما قولك؟ ومتى يكون الفنان صدىً لصوت شعبه؟
- يمكنني القول إنّ التجربة التي يمرّ بها اليوم الناس في داخل وخارج السودان، برغم قسوتها، إلّا أنّها مفيدة وناقدة لكلّ ما سبق. أمّا عن الغربة، فلا تسألني.. أليس من بالداخل يشعر بالغربة الآن؟ أمّا عن سؤال الفنان ومتى يكون صدىً لصوت شعبه، فإنّ الحديث يطول في هذا الشأن، ويكفي أن تنصهر كفنان في معامل معاناة هذا الشعب الذي أنت من صلبه، وتنعجن في أفراحه وأتراحه، لتصبح لسان حاله في سرّائه وضرّائه؛ وهذا هو الفن الحقيقي من وجهة نظري.
ماذا عن تجربتك مع المبدع الفنان يوسف الموصلي ومشاريعكما معًا؟
- يوسف الموصلي صديق عزيز، وهو بجانب كونه مطربًا موسيقيٌّ مقتدر وملحّن بارع، له إسهاماته الواضحة في هذا المجال. كما أنّ همًّا مشتركًا يجمع بيننا في طرح تجاربنا بشكلٍ جيّد، وأمامنا الكثير من الأعمال التي نأمل أن نُخرجها تباعًا، على منوال ما سبق أن أنجزناه معًا من تجربة لاقت صدىً طيّبًا لدى الجماهير والمهتمّين على حدّ سواء.
ما جديدك؟ ثم ما قولك عن مستقبلك فنيًا؟
- هناك الكثير من الأعمال الجديدة. أمّا في هذه الأيام، وبرغم الظروف الصحية التي أمرّ بها، فإنني أعيش بصحبة قصيدة لشاعر مصري اسمه أحمد صلاح كامل، بعنوان (مفتتح الطريق)، وأرجو أن يقوم حواري هذا معك، أخي خضر، مقام إخطارٍ له. فأنا لم ألتقه، لكنني وجدت قصيدته منشورة في مجلة (العربي)، وقد أعجبتني، فعكفت على تلحينها. يقول مطلعها:
هذا فرحنا ميت
والأرض تلهث في سباق الانفلات
ونسيت أمومتها
وباعت فرخها للريح
أنكرت البراءة في عيون الفجر
لطير الليل كي يملي القرار
وأنا أسجّل موقفي
لا الليل قدّيس
ولا القمر انتصار
كما أنّ هناك قصيدة لصديقي الشاعر محمد مدني، أذكر منها:
والأرض تحضن بذرة الإمكان
يا رباه
يا أرض اتخذتك مغزلًا
للحب والأشعار والحقب الجديدة..
أمّا عن مستقبلي الفني، فأنا أعمل وفق برنامج يسعى لإنجاز رؤى محدّدة، أحلم أن أحقّقها على المستويين: الشكل والمضمون.
ماذا لو سألتك عن اتحاد الفنانين السودانيين، وعن صلتك به؟ وهل تعتقد أنّه يؤدّي دوره المطلوب؟
- ليس بيني وبين هذا الاتحاد أي اتصال منذ خروجي من السودان، فهل ترى أنّ له دورًا الآن؟
كيف ترى مستقبل الأغنية السودانية عامة؟
- بإيجاز، هو مستقبل مرتبط، دون شك، ارتباطًا عضويًا بمستقبل البلد والناس هناك.
(نشر هذا الحوار بتاريخ الاثنين 25 يناير 2010 بصحيفة الراية القطرية)
#ملف_الهدف_الثقافي #مصطفى_سيد_أحمد #خضر_عطا_المنان #حوار_صحفي #ود_سلفاب #صحيفة_الهدف

Leave a Reply