محمد إسماعيل أنقا
قامت الحكومة الإيطالية ببعض الترتيبات الإدارية بغرب إريتريا (القاش)، وأصدرت قراراً يقضي بترحيل القرى وإعادة تجميعها وفق خطة جديدة. وقد باشرت عملها، وكخطوة أولى بدأت بمنطقة (شربا – دقي)، حاضرة عشيرة النقيب – رأس النرا، ومعقل المقريب عامة بأرض القاش، والتي تمثل العاصمة ومركز السلطة التقليدية، وهي منطقة جبلية محصنة كما يشير بذلك اسمها أيضاً، والذي يعني: (مزرعة الشعير الجبلية). ثم قرية (سروبتي)، إحدى أهم الحواضر للنرا – مقريب، وأكثرها كثافة بالسكان.
أمرت الحكومة المواطنين بالانتقال إلى الأراضي الواطئة، وأرغمت الشعب على الرحيل بالقوة عندما رفض الانصياع لذلك، فتوزع الناس أشتاتاً في انصراف كيفي. ارتحل البيت الحاكم من (شربا – دقي) إلى (نيتي)، ومنها إلى (هيكوته).
ومن الأحداث التي زادت من حدة التوتّر وكراهية الشعب للحكومة الجديدة، أن أحد عساكر الطليان أقدم على لطم (على هبتا) على وجهه أمام الحشود، وهو من الأعيان. وقد نشأت ملاسنة بينهما، وكانت زوجة (هبتا)، تلك المرأة الشجاعة الصامدة (هاجا)، تقف بجانبه في تلك اللحظة، فالتقطت حجراً كبيراً من على الأرض، شجت به رأس العسكري، فترنح وارتمى على الأرض مغشياً عليه وقد سال دمه.
وكادت هذه الحادثة أن تسفر عن مواجهات دموية بين الشعب والعساكر، لولا أن قائد العسكر تدارك خطورة الموقف وأسرع في إخمادها والتعامل معها بذكاء، مخاطباً الجميع: “يكفي ما حصل، فهذه بتك” (أي الصفعة بالضربة)، وأمر بالتفرّق وأن يذهب الكل في سبيله.
بعد ذلك أصبح اسم (هاجا) يتردد على الألسن إعجاباً بشجاعتها، ويغني الجميع: “إلى حوكي وهاجا، أي يتهاجك كواجا”.
لكن وبأثر رجعي، باتت السلطات الاستعمارية تطارد الأفراد والجماعات التي أعلنت العصيان والتمرد، وبالاستعانة ببعض الإجراء وضعاف النفوس استطاعوا بالفعل القبض على كثير منهم، وأسر كل من الأخوين (على هبتا) و(محمد هبتا) ومعهما (عيسى محمد حدوت)، وسيق الثلاثة إلى (مصوع) وأودعوا في (سجن نخرا).
يذكر الناس اليوم البطل (زامات ود أكد)، كما يذكرون (عثمان – سبار – نخرا) و(كنتيباي حامد بك) وغيرهم، لكنهم لم يسمعوا عن الذين كانوا معهم في السجن من أبناء (النرا) الأشاوس: (عيسى محمد حدوت) ورفاقه من الأبطال المجهولين الذين قالوا: “لا، للمستعمر”.
انتقل (الملك على حامد، أب سوميت) مع أسرته إلى شرق السودان، حينما كثرت عليه الضغوط، وعاش هناك لفترة متنقلاً في خفاء من مكان إلى آخر. التحق أبناؤه فيما بعد بالأورطة الشرقية وعاشوا في (بالكارا)، ثم انتقلوا سوياً إلى حامية القضارف، إلا أن جدي (فاقد على حامد، أب سوميت)، وكان أصغرهم، رجع إلى كسلا واختار العيش فيها إلى آخر حياته. ما زالت هذه الأسرة تعرف باسم عائلة (تيوت) بحي (ديم النور)، وفي سكنات الجيش بقشلاق القضارف.
فشل (أراي عقبا) في استمالة قبيلة (النرا – مقريب) إلى جانبه، ولم يتمكن من كسب ودها، كما لم تحقق له قوة الطليان شيئاً مما أراد من تخويف الناس، بل زادت الأمور سوءاً على ما كانت عليه. وتدهورت العلاقة بين العشيرتين إلى أدنى درجة. فقد تمسك شعب المقريب بزعيمه التقليدي (الملك أب سوميت) وأحجم عن التعاطي مع (أراي عقبا)، وتزمت الأوضاع بشدة، وصارت الأجواء العامة تنذر بالاقتتال الوشيك والمواجهة بين (المقريب والهجر) ونشوب حـ.رب أهلية لا هوادة فيها.
رأت السلطات الاستعمارية أن معاداة المقريب علناً وعدم مهادنتها لم يكن في صالحها، ففي ذلك الوقت كانت في حاجة ماسة إلى قوة بشرية لصد جيوش دراويش المهدية الزاحفة إلى غرب إريتريا، ولمواجهة قوات (الرأس الولا) المتمركزة في الهضبة الإريترية حول (أسمرا). حيث كانت الطليان تطمع في التمدد والسيطرة على غرب إريتريا للاستفادة من ثرواتها الطبيعية، وتأمل في الحصول على الرجال لتجنيدهم، وكانت تراهن على (أراي عقبا) في تحقيق تلك المآرب.
لذلك أُفرج عن سجناء (نخرا)، فعاد الإخوان (على هبتا ومحمد هبتا) إلى الديار، أما (عيسى حدوت) فكان قد قضى نحبه في السجن.
بعد ذلك أرسلت الحكومة الإيطالية بشكل سرّي إلى شرق السودان وفداً من الأعيان والوجهاء كوسطاء، لمقابلة الملك (أب سوميت) والتشاور معه وإقناعه بضرورة العودة إلى شعبه كحالة ملحة لحقن الدماء وتسوية الخلافات مع الحكومة بالتراضي، وقد أعطي الأمان في نفسه وأهله.
وكان هؤلاء الوسطاء من أصدقاء ومعارف (الملك) خارج القبيلة، على رأسهم: صديقه المقرب (آدم قرين) من عد فضل، وهو جد الشهيد الأشهر البطل (دنقير) عن أمه، همد سلام (من البلو)، آدم شريف (من الكرب كناب)، وعوض موسى (من الكرب كناب).
#ملف_الهدف_الثقافي #شعب_النارا #محمد_إسماعيل_أنقا #تاريخ_إريتريا #المقاومة #صحيفة_الهدف #السودان

Leave a Reply