راما عبد الله
ليس الجدل الذي أحاط بفيلم (الملحد) دلالة على قوّته، بقدر ما يكشف هشاشة علاقتنا بالسينما بوصفها فنًّا قائمًا على التعبير، لا على الاستفزاز وحده. فالفيلم لا يُربك المتلقي لأنه يطرح سؤال الإيمان، بل لأنه يعجز عن تحويل هذا السؤال إلى تجربة سينمائية مكتملة، مكتفيًا بإلقائه كحمولة فكرية ثقيلة على جسد درامي واهن.
المشكلة الجوهرية في (الملحد) ليست في موضوعه، ولا في جرأته المعلنة، بل في اختزاله للسينما إلى منصة خطاب. الفيلم لا يثق بالصورة، ولا يراهن على الصمت، ولا يترك للشخصيات حق التشكّل الطبيعي؛ بل يصرّ على أن يقول كل شيء بصوت عالٍ، وكأن المتفرج متّهم يحتاج إلى إقناع، لا شريكًا في التأويل.
الشخصيات هنا لا تعيش بقدر ما تُستَخدم. البطل لا يتطوّر، ولا يمرّ بتحوّل داخلي معقّد، بل يظهر منذ البداية محمّلًا بإجابات جاهزة. الإلحاد في الفيلم ليس رحلة شك، ولا مسار بحث وجودي، بل علامة توضع على الشخصية لتوليد الصدام. وهنا يفقد السؤال عمقه، لأن الإيمان، أو نقيضه، لا يُقاس بالمواقف الحادة، بل بالارتباك، بالتردّد، وبالمساحات الرمادية التي يغفلها الفيلم تمامًا.
الأب، من جانبه، لا يُقدَّم كإنسان له تاريخ أو دوافع نفسية، بل كوظيفة درامية: سلطة دينية صلبة، ثابتة، لا تتغيّر. غياب التعقيد الإنساني يجعل الصراع شكليًا، لأن السينما لا تزدهر في المواجهات المتوقعة، بل في التناقضات الداخلية. وحين تُمحى هذه التناقضات، يصبح الصراع مجرّد ضجيج.
على مستوى البناء، يبدو الفيلم مترددًا بين كونه حكاية عائلية، أو بيانًا فكريًا، أو محاكمة أخلاقية. هذا التردّد لا ينتج ثراءً، بل ارتباكًا في الإيقاع والنبرة. فالمشاهد تتجاور دون تصاعد حقيقي، والذروة لا تُبنى بقدر ما تُعلَن، والنهاية تأتي رمزية في ظاهرها، لكنها مغلقة دلاليًا، لا تفتح أفقًا للتفكير بقدر ما توحي بخاتمة خطابية.
معلومات عن الفيلم والبطولة والإنتاج
يُعد فيلم (الملحد) إنتاجًا مصريًا من إخراج وتأليف إبراهيم عيسى، وبطولة أحمد حاتم بدور يحيى الطبيب الشاب، ومحمود حميدة بدور الأب السلفي المتشدّد، إضافة إلى حسين فهمي، نجلاء بدر، وشيرين رضا في أدوار مساعدة. تم تصوير الفيلم في مواقع متعددة بالقاهرة والإسكندرية، وشارك في إنتاجه شركة مصرية خاصة بالتعاون مع صناع مستقلين، بهدف تقديم قضية اجتماعية وفكرية مثيرة للجدل حول الإيمان والشك، مع التركيز على الصراع بين الأجيال والقيم داخل الأسرة.
المفارقة أن الفيلم، وهو يناقش قضية كبرى مثل الإيمان، يتعامل مع المتفرج بعدم ثقة. لا يترك له مساحة للتأمل، ولا يمنحه حق الشك، بل يقوده عبر مسار محدد، كأن الحقيقة واحدة، ومعلّبة، وجاهزة للتسليم أو الرفض. وهنا يفقد الفن أحد أهم أدواره: طرح الأسئلة دون ادّعاء امتلاك الإجابة.
لا يمكن إنكار أن (الملحد) حاول كسر حاجز الخوف، وهذه في حد ذاتها خطوة تُحسب له. لكن الجرأة في الفن لا تُقاس بموضوعه فقط، بل بكيفية معالجته. فالسينما التي ترفع صوتها كثيرًا، غالبًا ما تفعل ذلك لأنها لا تثق بما تقوله الصورة.
هكذا، لا يصبح الفيلم مساحةً للرؤية، بل عبئًا على الصورة، حين تُثقَل الفكرة دون أن تجد لغتها السينمائية. فبين ما يُقال وما يُرى، تتسع الفجوة، ويضيع الفن في منتصف الطريق. في النهاية، يظل (الملحد) فيلمًا مهمًا من حيث النقاش الذي أثاره خارج الشاشة، أكثر مما قدّمه داخلها. لقد حرّك المياه الراكدة، نعم، لكنه لم ينجح في تحويل هذا الاضطراب إلى عمل سينمائي متماسك، يضيف إلى الفن بقدر ما يضيف إلى الجدل. وهذا ما يميز الفرق الجوهري بين فيلم يُشاهَد، وفيلم يُناقَش.
#ملف_الهدف_الثقافي #فيلم_الملحد #نقد_سينمائي #سينما_مصرية #راما_عبد_الله #إبراهيم_عيسى #ثقافة

Leave a Reply