أحمد محمود أحمد
خرج الفنان الصامد في وجه الح.رب، أبو عركي البخيت، من بيته في يوم الاستقلال، وتوجّه إلى المسرح القومي ليقف هناك وحيدًا؛ لا جمهور، ولا إضاءة، ولا عازفين، ويغنّي أغنيته (واحشني)، حيث تتّسع الوحشة خارج منطق الحبيبة لتتحوّل إلى وحشة المكان والناس والمعنى، وإلى الوجود الإنساني الذي ينبثق منه الإبداع. خروج عركي ووقفته في هذا اليوم، وهو يوم الاستقلال، كانت وقفة على الأطلال، إذ يأتي هذا اليوم الذي يحتفل به السودانيون كل عام حافيًا، يمشي على مسامير الح.رب، وقد أفرغت الح.رب المكان من أهله، وغابت المسارح، وتمدد الفراغ والقبح.
ولكن في لحظة انشطار السودانيين وتمزّقهم، يأتي أبو عركي ليمارس تجربة مسرح الفرد الواحد؛ وفي هذه الحالة هو مسرح الذات، الذي يواجه فيه الفنان ثقافة الح.رب، ومعها السلطة، حيث يتحوّل حضوره الجسدي الفردي في المسرح إلى أرشيف للذاكرة الجماعية. لقد كانت فكرة مسرح الرجل الواحد فكرة تجريبية، يتخذ فيها جسد الممثل أبعادًا متعددة بتعدّد الشخصيات التي يجسّدها، وهذه خصائص إبداعية عالية الحضور. وما يقوّي تجسيد هذا الدور هو حضور الجمهور، الذي من خلال تفاعله مع الممثل الفرد يتجسّد التواصل الذي يحتاجه هذا الممثل حتى يكون ممسكًا بخط الصعود في التمثيل، ومن ثم إبداع حالة فنية تجعل هذا الممثل جماعة تتحد في الواحد.
لقد كان أبو عركي هذا الممثّل، لكن من دون جمهور، غير أنّ هناك أداة مصغّرة نقلت الصوت والصورة إلى الخارج، ليتفرّج الجمهور في المنافي والمغتربات على فنان يقف وحيدًا على خشبة مسرح، لا يفهم من أشعلوا الح.رب دلالته، ليقول، ضمن رسائل متعددة: أوقفوا الح.رب حتى تعود الأمور إلى طبيعتها، وحتى يعود الناس إلى منازلهم أولًا، ثم إلى المسارح والغناء، من أجل أن تتجدّد الحياة. لكن السلطة الغاشمة لا تسمع صوت النداء.
لقد كان مسرح الرجل الواحد، في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي وفي المنطقة العربية، وسيلة لتعرية السلطات العربية التي تقمع صوت الحرية، وتعارض الفنون، وتقف ضد دعمها، ونتيجة للشحّ المالي اتجه بعض الممثلين إلى تجربة مسرح الفرد. ويأتي اليوم الفنان أبو عركي ليقف على خشبة المسرح القومي من أجل معارضة الح.رب ومهندسيها، حيث يصبح الفرد الفنان، في هذه الحالة، صوت السلام في مقابل صوت السلطة وصوت الح.رب معًا.
#ملف_الهدف_الثقافي #أبو_عركي_البخيت #المسرح_القومي #السودان #لا_للحرب #فن_المقاومة #استقلال_السودان

Leave a Reply