حرب السيطرة على الانتباه والإغراق في التفاهات: كيف دمّر (الكيزان) وعي السودانيين، وصنعوا الحروب، وأفشلوا الثورة؟

صحيفة الهدف

د.جمال الجاك

مقدمة:

(حين يصبح تغييب الوعي سياسة دولة)

لم تكن مأساة السودان نتاج صدفة أو سوء إدارةٍ عابر، بل حصيلة مشروعٍ ممنهج لتدمير الوعي، استُخدمت فيه أخطر أدوات السلطة: التحكّم في الإدراك الجمعي. منذ انقلاب 1989، لم يحكم الكيزان بالسلاح وحده، بل عبر تشويش العقل العام، وتعطيل التفكير النقدي، وتحويل السياسة إلى ضجيج. وقد تجسّد ذلك في استراتيجية يمكن توصيفها علميًا بـ: ح.رب السيطرة على الانتباه (Attention Warfare) والإغراق في التفاهات، وهي ح.رب لا تستهدف الجيوش بل العقول.

أولًا: الإغراق في التفاهات كعقيدة حكم كيزانية

الإغراق في التفاهات ليس انحطاطًا عفويًا، بل سياسة دولة تقوم على استبدال التحليل بالانفعال، والسؤال بالشتيمة، والسياسة بالفضيحة. فالسلطة التي لا تملك مشروع دولة تحتاج إلى شعبٍ مشغول، لا شعبٍ واعٍ. لذلك لم يمنع الكيزان الكلام، بل درّبوا الناس على الكلام بلا معنى.

ثانيًا: ح.رب السيطرة على الانتباه (Attention Warfare)

في العلوم السياسية الحديثة، تُعدّ ح.رب الانتباه أحد أشكال الح.رب الإدراكية (Cognitive Warfare)، حيث لا يكون الهدف الإقناع، بل خطف الانتباه، إنهاك العقل، ثم توجيهه بعيدًا عن الأسئلة الخطِرة. من يسيطر على الانتباه يسيطر على السردية، ومن يسيطر على السردية يعطّل الوعي ويشلّ الفعل العام.

ثالثًا: أدوات ح.رب الانتباه الكيزانية

صناعة الترندات (Trend Manufacturing): لم تكن الترندات بريئة، بل أداة Attention Hijacking عبر: فضائح مصنوعة، شخصيات هامشية، قصص بكاء وانهيار عاطفي. الغاية تشتيت الرأي العام، استنزاف الطاقة الذهنية، وتحويل المواطن إلى مستهلك انفعال.

الاغتيال المعنوي وقتل الشخصية (Character Assassination): استهداف الرموز الوطنية والثورية عبر التشويه، فبركة الفضائح، والإيحاءات الأخلاقية. الهدف ليس إسقاط الأفراد، بل ق.تل الثقة في فكرة القيادة نفسها.

الهجوم على الأحزاب السياسية (Political Delegitimization): جرى تسفيه العمل الحزبي وربطه بالعمالة بدل مناقشة البرامج، ما أدّى إلى تفكيك البدائل المدنية، وتدمير السياسة المنظّمة، وترك الساحة للعسكر والمليشيات.

ضرب النقابات واتحادات الطلاب (Union Busting & Co-optation): تشويه النقابات، تزوير انتخاباتها، واختراقها تنظيميًا، لأن التنظيم الواعي أخطر من أي مظاهرة عابرة.

استغلال الدين واختراق الطرق الصوفية: تحويل الإيمان إلى رأس مال سياسي، والطاعة الروحية إلى ولاء تنظيمي، عبر المال والتلميع الإعلامي، لا خدمة الدين.

اختراق الساحة الفنية والرياضية (Cultural & Sports Co-optation): استقطاب الفنانين والرياضيين وتسييس النجومية، لأن الفن والرياضة أدوات فعّالة في التأثير الجماهيري.

رابعًا: ح.رب الجنوب.. التفاهة التي مزّقت الوطن

تمّ تغليف الفشل السياسي بشعارات دينية سطحية، وتحويل الح.رب إلى “جهاد”، بدل معالجة الجذور. النتيجة: ملايين الضحايا، دمار شامل، وانفصال الجنوب. لم يكن الانفصال قدرًا، بل ثمرة مباشرة لتدمير الوعي.

خامسًا: دارفور.. حين صارت الإبادة “تفصيلًا ثانويًا”

في دارفور، شُوّهت الضحية، وبُرّر الق.تل، وصُنعت المليشيات، بينما كان الإعلام يُغرق الناس في الجدل التافه. القرى احترقت، والوعي اغت.صاب.

سادسًا: ثورة ديسمبر.. لماذا ارتعبوا؟

لأنها كانت ثورة وعي قبل أن تكون ثورة شارع. واجهوها بتشويه المدنيين، وتسفيه لجان المقاومة، وتحويل النقاش إلى سباب.

سابعًا: إفشال الحكومة الانتقالية (حكومة حمدوك)

لم تُحاصَر بالنقد الموضوعي، بل بحملات تضليل، واغتيالٍ معنوي، وح.ربٍ اقتصادية، واتهاماتٍ عقائدية، بينما كانت الدولة العميقة تعمل على وأد الثورة.

ثامنًا: الح.رب الحالية.. إعادة تدوير الجريمة

نفس العقول، نفس الأدوات، نفس الخراب. الأسئلة المصيرية تُق.تل عمدًا: من أشعل الح.رب؟ من سلّح المليشيات؟ من يستفيد؟ وبدل الإجابة: ضجيج، تخوين، ترندات، شلل عام.

خاتمة: (كسر التفاهة شرط الخلاص)

  • الإغراق في التفاهات ليس عرضًا جانبيًا، بل شرط بقاء الاستبداد.
  • السودان لا يُنقذ بسلاحٍ بلا دولة، ولا بسلطةٍ بلا شرعية، بل بوعيٍ مستعاد.
  • من يفهم لا يُقاد، ومن يسأل لا يُخدع. الوعي هو آخر خطوط الدفاع عن الوطن.

خاتمة تنفيذية: كيف نكسر ح.رب السيطرة على الانتباه؟

أولاً علم النفس الاجتماعي: تفكيك خطاب التخويف، كسر الاستقطاب، تحويل الانفعال إلى وعي، والوعي إلى فعل جماعي منظّم.

ثانياً علم الدعاية: فضح أدوات التضليل، تسمية الأكاذيب، نقل النقاش من الأشخاص إلى البُنى والسياسات. أخطر ما في الدعاية أنها لا تطلب التصديق، بل التعوّد.

ثالثاً نظريات إدارة الانتباه: رفض الترندات المصنوعة، إعادة ترتيب الأولويات، وتوجيه الانتباه نحو: السلطة، السلاح، الاقتصاد، العدالة.

رابعاً التركيز فعل مقاومة.

الخلاصة الكبرى: الوعي المنظّم يهزم التفاهة المنظّمة.

ح.رب الانتباه لا تُهزم بالصراخ، بل بوعيٍ جماعي مسلّح بالعلم. أخطر ما فعله الكيزان هو تطبيع البلادة، وأخطر ما يمكن أن نفعله نحن هو التعايش معها.

#ملف_الهدف_الثقافي #جمال_الجاك #وعي #تضليل_إعلامي #السودان #الكيزان #حرب_الانتباه #ثورة_ديسمبر

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.