- استقلال 1956 كان “ناقصاً”.. والسودان ظل “مزرعة” للسوق الرأسمالي
- ورثنا اقتصاداً “مشوهاً” والنخب الوطنية عمقت التهميش والتبعية
- لا يمكن فصل النقابات عن السياسة.. وإيقاف “الحـ.رب اللعينة” قضية قومية
- “التبادل غير المتكافئ” استنزف ثرواتنا.. نُصدّر القطن خاماً ونستورده منسوجات بأغلى الأثمان!
- فساد الإسلامويين الممنهج نهب ثروات الذهب والبترول وخزنها في بنوك العالم
- الاستعمار ركز المشاريع في وسط السودان.. والأنظمة المتعاقبة تجاهلت توصيات الأمم المتحدة
- الحركة النقابية السودانية فرضت نفسها “قسراً” على الإدارة الاستعمارية
- استغلال النقابات لتمرير أجندة “حزب واحد” مرفوض ويفقدها استقلاليتها
- “تجمع المهنيين” أكد ثقة الشارع في النقابات
—-
في ظل عاصفة التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تجتاح السودان، تحاور “الهدف” اليوم شخصية فكرية ونضالية تجمع بين عمق الأكاديمي وواقعية النقابي والتزام الحزبي. دكتور صديق الزيلعي، رئيس تحرير مجلة (قضايا فكرية)، والأكاديمي الذي خاض معارك النقابات العمالية. “الهدف” تحاوره كشاهد على تحولات وطن وصوت لضمير طبقي يبحث عن خلاص جماعي في زمن التفكيك.
—
حوار: يوسف الغوث
—
- في الذكرى 70 للاستقلال، نطرح سؤالاً جوهرياً: هل كان استقلال 1956 استقلالاً حقيقياً أم شكلياً؟ وكيف يمكن قياس درجة الاستقلال الاقتصادي لأي دولة؟
شكراً الأستاذ يوسف الغوث على تكريمي بالتحدث إلى جريدة الهدف الناطقة بلسان حزب البعث العربي الاشتراكي (الأصل)، وهو منبر ديمقراطي متميز ساهم ويساهم في معارك شعبنا.
في عام 1956 نلنا استقلالنا السياسي وصار لنا حكومة وعلم وبعثة في الأمم المتحدة، ولكن واقع التبعية واستمرارنا كمزرعة للسوق الرأسمالي العالمي أوضح أنه استقلالاً ناقصاً. وقد تفجرت معركة آنذاك كان طرفها السلطات الحاكمة من جانب ومن الجانب الآخر اليسار ونقابات العمال التي دعت لربط التحرير بالتعمير وكان رد السلطات الحاكمة ترديد شعار “تحرير لا تعمير” وكان هذا أحد مظاهر الأزمة التي تعمقت وتعقدت في السنوات التالية.
- يرى الفكر الماركسي أن الاستقلال السياسي بدون استقلال اقتصادي وهم.. كيف تنطبق هذه المقولة على الحالة السودانية في ظل الديون والتبعية؟
إن عدم انتهاج سياسة لتحرير اقتصادنا وجعله مستقلاً يعمل لصالح أبناء السودان هو أس الداء الذي استفحل وشل كل الجسد. الديون الضخمة هي مظهر للضعف وعدم القدرة على مواجهة الدائنين، فهم يفرضون ما يسمى بخدمة الدين وهي الفوائد التي تراكمت وتضخمت. ولقد سبق لصندوق النقد الدولي أن أوقف التعامل مع السودان عدة مرات لعدم التزامه بتسديد الأقساط المستحقة.
- وما السبيل للخروج من دائرة التبعية للمؤسسات الدولية والبنك الدولي؟
تبعيتنا لكل المؤسسات المالية الدولية، وضمنها البنك الدولي، ستستمر ما لم تكن هناك حكومة مدنية جادة ولها رؤية اقتصادية واضحة. يبدأ ذلك بالتفاوض حول الديون والاستفادة من المشاريع الدولية لإعفاء الدين، ثم إعادة بناء اقتصاد يعتمد على قدراتنا الذاتية وتوجيه كل المداخيل من أجل التنمية وإصلاح النظام المصرفي ومعالجة الخلل في ميزان المدفوعات وسياسات الاستيراد والتصدير والتشريع لقانون استثمار يشجع الإنتاج ويعطيه الحوافز.
هذا باختصار شديد بعض رؤوس المواضيع التي تحتاج لصياغة خطط للمدى القصير والمتوسط والطويل. وهناك مسألة هامة؛ لن نتعامل مع البنك الدولي بالشعارات مثل “لن يحكمنا البنك الدولي”، ولنبدأ بدفع ما علينا ثم نطور اقتصادنا وحينها نكون مستقلين من أي مؤسسة مالية عالمية.
- في سياق قراءتك لمسار الاقتصاد السوداني منذ الاستقلال، أين تكمن الكارثة الحقيقية بين الإرث الاستعماري وفشل النخب الوطنية؟
نعم ورثنا اقتصاداً مشوهاً، لأن الإدارة الاستعمارية ألحقت السودان بالسوق الرأسمالي العالمي، واختارت الجزيرة لزراعة القطن لصلاحية أرضها الطينية وريها الانسيابي وقربها من الميناء الوحيد. فُرض على المزارعين هذا المحصول الغريب عليهم والذي تحتاجه مصانع لانكشير لصناعة النسيج. وكانت هذه بداية الاستغلال والتشوه الاقتصادي، وتحويل السودان لمزرعة لإنتاج المواد الخام للمستعمر. وهنا يدخل التبادل غير المتكافئ حيث تُصدر موادنا الخام بأرخص الأسعار بينما نستورد نفس المواد التي صدرناها كقطن خام في شكل منسوجات وبأعلى الأسعار.
- وما أثر تلك السياسات على التنمية المتوازنة داخل السودان؟
هذه السياسة الاستعمارية التي ركزت كل المشاريع في أواسط السودان، تسببت في خلق أساس اقتصادي للتهميش في السودان، وظهر ما سمي بالقطاع الحديث والآخر الذي أطلق عليه القطاع التقليدي، مما أدى لتشوهات عانينا من آثارها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية طيلة سنوات ما بعد الاستقلال.
- هل عملت الأنظمة الوطنية التي تعاقبت بعد 1956 على معالجة هذا الخلل؟
ساهمت الأنظمة، العسكرية والمدنية، التي تعاقبت على الحكم ما بعد تحقيق الاستقلال السياسي، في تعميق ذلك التشوه الاقتصادي الداخلي وتلك التبعية للسوق الرأسمالي العالمي وهذا التهميش المركب. وواصلت نفس السياسات الاستعمارية، كما ورثت نفس المؤسسات التي أنشأها الاستعمار، وواصلت السياسة الاقتصادية نفس التركيز على القطن وعلى مناطق أواسط السودان.
والغريب أن الأمم المتحدة، عن طريق منظمة العمل الدولية، أرسلت بعثة ضخمة من الخبراء لدراسة الاقتصاد السوداني في أواسط سبعينات القرن الماضي، ونشرت تقريرها في مجلد ضخم هو من أفضل ما كتب عن الاقتصاد السوداني، وكان من التوصيات الاستثمار في المناطق خارج أواسط السودان، وأوضحت أن العائد الاقتصادي والاجتماعي سيكون كبيراً، ولكن لم تهتم الطبقات الحاكمة، وواصلت نفس المنهج القديم.
- التضخم الجامح وانهيار العملة المتسارع منذ السبعينات حتى اليوم؛ هل هذه أعراض أزمة أم تشخيص لمرض بنيوي؟
اقتصاد مشوه موروث من الاستعمار يعتمد على محصول، ثم بعد تخريب مشروع الجزيرة تحول اقتصاداً ريعياً يعتمد على البترول، وعندما ذهب أكثر من ثلثي البترول لجنوب السودان، جاء الذهب كمصدر أساسي للعملة الصعبة. المشكلة الأكبر رغم ريعية الاقتصاد إلا أن الفساد الممنهج وتحت إشراف جهاز الدولة ومن يسيطرون عليه من الاسلامويين نهب كل تلك الثروات الضخمة وخُزنت في بنوك العالم. وهي كثروات ناضبة، كان المنهج الاقتصادي السليم إعادة استثمارها في القطاعات الإنتاجية الداخلية وأهمها قطاع الزراعة الذي تعتمد عليه الأغلبية العظمى من شعب بلادنا.
- بالحديث عن العمل النقابي؛ كيف ترى تحول دور النقابات في السودان من فترة ما قبل الاستقلال حتى اليوم، وهل كانت جزءاً من مشروع الاستقلال؟
تميزت الحركة النقابية السودانية أنها نبعت من جماهير العمل، لذلك تميزت أولاً بالاستقلالية والتفرد في المنطقة العربية والأفريقية، حيث كانت النقابات تؤسسها الأحزاب أو حركات التحرر الوطني. كما نشأت الحركة النقابية في وقت واحد مع الأحزاب السياسية، مما أعطاها الإحساس بالندية هذا ثانياً. وثالث الملامح أن الحركة فُرضت فرضاً على الإدارة الاستعمارية، التي كانت ترفض قيام نقابات في السودان. فنجح العمال بوحدتهم وإصرارهم ونضالهم بفرض “هيئة شؤون العمال” وهي أول نقابة شرعية في تاريخ السودان، وقبلها كانت هناك تحركات نقابية وإضرابات متفرقة، منذ العام 1904، ولكن الهيئة كانت أول نقابة رسمية تعترف بها السلطات وهناك إجماع حولها من العمال. المسألة الرابعة أن الأسلوب الذي تم عن طريقه إنشاء الهيئة أثّر على تبنى النقابات للروح الصدامية، وهو أمر له آثاره الإيجابية والسلبية أيضاً.
- وما هي أبرز ملامح تلك “الروح الصدامية” في وجه الاستعمار؟
خاضت الحركة النقابية معارك وإضرابات عديدة ضد الإدارة الاستعمارية، كان أشهرها الإضراب الذي استمر 33 يوماً. كما أن اتحاد العمال عدل دستوره لينص صراحة على عدم الاعتراف أو التعاون مع الدولة الاستعمارية والعمل بكل السبل لتحقيق التحرر الوطني للسودان.
- يطرح كثيرون إشكالية استقلالية النقابات عن الأحزاب.. كيف ترى هذه العلاقة، وهل يمكن للنقابة أن تعمل بلا انتماء أيديولوجي؟
أصدر الزوجان وويب (وهما من قادة الجمعية الاشتراكية الفابية البريطانية) كتاباً هاماً بعنوان “الديمقراطية الصناعية”، هذا الكتاب صار إنجيلاً للحركة النقابية الإنجليزية. طرح الكتاب أن العمال في موقع عملهم يتأثرون بالأوضاع والسياسات الاقتصادية العامة، وأيضاً يتأثر القطاع الذي ينتمون له بتلك السياسات بشكل أكبر. كما أن كل العاملين يتأثرون بشكل حاد بمواقف وسياسات وممارسات الدولة. انطلاقاً من ذلك أكدا على أن عمل النقابات لا ينفصل عن السياسة.
- وكيف ينعكس ذلك على واقعنا في السودان؟
هنا في السودان كان للنقابات أدواراً طليعية في المعارك من أجل الديمقراطية ومن أجل حقوق كافة فئات المجتمع، لذلك لا يمكن فصل أو عزل النقابات عن السياسة. ولكن الموقف الصحيح أن تتعامل النقابات سياسياً وتدعم القضايا الوطنية العامة، ولكن استغلال النقابة من قبل حزب واحد لتفيد أجندته الحزبية مرفوض، لأن النقابة بذلك تفقد استقلاليتها. العلاج لا يتم بمنع النقابات من العمل السياسي العام، ولكن بتحديد دور الأعضاء وتفعيل الديمقراطية النقابية (داخل النقابة) والتي تمنع أي انحراف عن الموقف الجماعي. فمثلاً نحن الآن نواجه كارثة، غير مسبوقة، هي كارثة الحرب اللعينة، وإيقافها قضية قومية، لذلك للنقابات الحق في المشاركة في كل الجهود لإيقاف الحرب، وإبعاد طرفي الحرب عن السياسة والاقتصاد.
- لعبت النقابات دوراً محورياً في انتفاضة ديسمبر 2018 عبر “تجمع المهنيين”؛ كيف تقيم هذا الدور وتأثيره؟
الدور الذي لعبه تجمع المهنيين هو امتداد لكل الأدوار التي لعبتها النقابات عبر تاريخنا. فعندما يخرج الشعب بناءً على نداء من تجمع المهنيين، وهم لا يعرفون أين هو هذا التجمع، هذا تأكيد لثقة الشعب في النقابات. أما تحقيق مكاسب فهذا يحتاج للقاء آخر حول تجربة الفترة الانتقالية بكل ما شابها من أخطاء من القوى المدنية ومن تآمر العسكر والدولة العميقة للاسلامويين.
- ختاماً؛ في ظل اقتصاد الحرب الحالي، كيف ترى مستقبل الحركة النقابية، هل تستطيع الصمود أمام الدمار؟
الحرب دمرت البنى الاقتصادية مما أثر على العمل النقابي، وأعتقد دور النقابات أساسي في العمل من أجل تحقيق السلام. ولكن خلال هذه الفترة تحتاج النقابات لوقفة جادة مع الذات لدراسة تجربتها والتعلم من إيجابياتها والتخلص من سلبياتها، وتحديد كيفية التعامل مع التغييرات الضخمة التي حدثت في السودان.
#الاستقلال_الناقص #السيادة_الوطنية #إيقاف_الحـ.رب #الاقتصاد_السوداني #النقابات_السودانية #التبعية_الاقتصادية #تجمع_المهنيين #جريدة_الهدف #صديق_الزيلعي #الفساد_الممنهج #ديون_السودان #مشروع_الجزيرة #استقلالية_النقابات #الديمقراطية_النقابية #معركة_التحرير_والتعمير #السودان_المدني #قضايا_فكرية #التنمية_المتوازنة #هيئة_شؤون_العمال #الحركة_النقابية

Leave a Reply